متى يكون انسحابنا من العلاقات ارتقاءً وليس خسارة؟
هناك نسخة منك ماتت منذ سنوات ولم يخبرك أحد بذلك؛ نسخةٌ ما زلت تحمل جثتها على كتفيك ظناً منك أنها هويتك، بينما وزنها يسحقك ببطء. لقد كذبوا علينا حين أوهمونا أن النهايات يجب أن تكون صاخبة، وأن فقدان الأشخاص هو دائماً مأساة تستوجب الرثاء. لكن الحقيقة التي نتعلمها بعد أن نُفرغ أكواب طاقتنا في أوعية مثقوبة، هي أن أعمق التحولات في حياتنا، وأصدق النهايات، تحدث في صمت تام.
الرحيل الصامت: حين تنتهي الفصول لا تلاحظ عادةً متى يتحول شخص مألوف إلى غريب. الأمر لا تسبقه إعلانات ولا ترافقه دراما أو انقطاع حاد. في يوم من الأيام، ترفع رأسك لتجد أن صديقك المقرب بات يحمل معتقدات مختلفة تماماً، أو أن شخصاً عزيزاً أصبح وكأنه قريب بعيد لا يربطك به سوى التاريخ المشترك.
لقد جرفكم التيار بعيداً، أو ربما انحسرت مياهه. وبحلول الوقت الذي تدرك فيه ذلك، تكونان قد أصبحتم على ضفتين متباعدتين. نحن نخسر من العلاقات لحساب "الصمت" أكثر بكثير مما نخسره لحساب "الخلافات". فالشجار على الأقل يمنحك مادة للإصلاح، أما الصمت فيذيب العلاقات ببطء كما يذوب السكر في الماء.
وهنا يكمن الجزء الذي لا يتحدث عنه أحد: في بعض الأحيان، هذا أمر طبيعي ومقبول. لسنا مجبرين على الاحتفاظ بكل شخص في كل فصل من فصول حياتنا بدافع الشعور بالذنب أو الحنين. بعض الناس هم "شخصيات مرحلية"؛ يعلمونك الدرس الذي كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة، ثم يغادرون المسرح بهدوء. محاولة إجبارهم على البقاء حين يصبح التواصل أشبه بـ "وظيفة شاقة" هو ظلم للنفس ولهم.
وقد أدرك الإمام الشافعي هذه الحقيقة مبكراً، فصاغ قاعدة ذهبية في التخلي عن العلاقات التي تفقد عفويتها وتصبح عبئاً يُؤدى بالتكلف، فقال:
إذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ
وفي القَلْبِ صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ جَفا
لذا، عندما يخبرك جسدك بأن التفاعل بات قسرياً، فلك خياران: إما أن تستمر في سحب جثة وتسميها "صداقة"، أو أن تفلتها بامتنان وتمضي للأمام بخفة. وكما قال أبو الطيب المتنبي في وصف انسحاب النفس التام إذا ما عافت شيئاً:
إذا انصَرَفَتْ نَفسي عَنِ الشّيءِ لَم تَكَدْ
إلَيهِ بوَجْهٍ آخَرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ
الوهم المسمى "وحدة" والكنز المسمى "عزلة" من أكبر الأكاذيب التي نصدقها هي الخلط بين "الوحدة" و"العزلة". الوحدة هي أن تكون محاطاً بالبشر لكن لا أحد منهم يراك حقاً. أما العزلة (الخلوة)، فهي أن تكون بمفردك، وتتمكن أخيراً من التنفس.
في صخب الحياة، نملأ كل فراغ بالضجيج والخطط والناس، لأن الصمت يعني مواجهة أسئلة نتهرب من إجابتها. لكن الأشياء التي تتجنبها في الصمت لا تختفي، بل يرتفع صوتها. في العزلة تكمن الرؤية الواضحة؛ هناك فقط يمكنك أن تسمع ما تفكر فيه حقاً، لا ما يُملى عليك. عندما تجلس بهدوء، تتوقف عن طلب الإذن لتكون ما أنت عليه بالفعل، وتتوقف عن تبرير حدودك لمن لا يستوعبونها.
العزلة ليست ابتعاداً عن الناس بقدر ما هي اتصال أعمق بالنفس. وفي هذا المعنى الجليل، يقول الشاعر واصفاً حلاوة الخلوة والانسحاب من ضجيج العلاقات الزائفة:
وقد ذُقْتُ طَعْمَ العَيْشِ في كُلِّ حالَةٍ
فما ذُقْتُ أهْنَا من خُمُولٍ ووِحْدَةِ
وما في خيالِ المرءِ أَوْفَى لحَقِّهِ
من العُزْلَةِ النَّكْرَاءِ في كُلِّ مَشْهَدِ
دائرة تضيق ليتسع المعنى مع مرور السنوات، تصبح الحياة أكثر هدوءاً. ليس لأنها أفرغت من محتواها، بل لأنك توقفت عن حشوها بالضجيج. تتوقف عن الشرح، عن أداء الأدوار، وعن التظاهر. ما يتبقى لك يصبح أقل، ولكنه حقيقي. والحقيقي هو وحده ما يصمد.
سيكون لديك أصدقاء أقل، لكنهم يعرفونك حقاً. التزامات أقل، لكنها تهمك حقاً. كلمات أقل، لكنها تعني شيئاً بالفعل. هذا ليس خسارة، بل هو "تنقية". أنت لا تتضاءل، بل تصبح أكثر وضوحاً. وبمجرد أن تتضح لك الأشياء التي تهمك، يصبح كل ما عداها مجرد ضجيج تنفضه عنك بيقين هادئ.
محمد ولد إمام





