الخميس، 14 مايو 2026

الانسحاب بصمت!

 



 متى يكون انسحابنا من العلاقات ارتقاءً وليس خسارة؟

هناك نسخة منك ماتت منذ سنوات ولم يخبرك أحد بذلك؛ نسخةٌ ما زلت تحمل جثتها على كتفيك ظناً منك أنها هويتك، بينما وزنها يسحقك ببطء. لقد كذبوا علينا حين أوهمونا أن النهايات يجب أن تكون صاخبة، وأن فقدان الأشخاص هو دائماً مأساة تستوجب الرثاء. لكن الحقيقة التي نتعلمها بعد أن نُفرغ أكواب طاقتنا في أوعية مثقوبة، هي أن أعمق التحولات في حياتنا، وأصدق النهايات، تحدث في صمت تام.

الرحيل الصامت: حين تنتهي الفصول لا تلاحظ عادةً متى يتحول شخص مألوف إلى غريب. الأمر لا تسبقه إعلانات ولا ترافقه دراما أو انقطاع حاد. في يوم من الأيام، ترفع رأسك لتجد أن صديقك المقرب بات يحمل معتقدات مختلفة تماماً، أو أن شخصاً عزيزاً أصبح وكأنه قريب بعيد لا يربطك به سوى التاريخ المشترك.

لقد جرفكم التيار بعيداً، أو ربما انحسرت مياهه. وبحلول الوقت الذي تدرك فيه ذلك، تكونان قد أصبحتم على ضفتين متباعدتين. نحن نخسر من العلاقات لحساب "الصمت" أكثر بكثير مما نخسره لحساب "الخلافات". فالشجار على الأقل يمنحك مادة للإصلاح، أما الصمت فيذيب العلاقات ببطء كما يذوب السكر في الماء.

وهنا يكمن الجزء الذي لا يتحدث عنه أحد: في بعض الأحيان، هذا أمر طبيعي ومقبول. لسنا مجبرين على الاحتفاظ بكل شخص في كل فصل من فصول حياتنا بدافع الشعور بالذنب أو الحنين. بعض الناس هم "شخصيات مرحلية"؛ يعلمونك الدرس الذي كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة، ثم يغادرون المسرح بهدوء. محاولة إجبارهم على البقاء حين يصبح التواصل أشبه بـ "وظيفة شاقة" هو ظلم للنفس ولهم.

وقد أدرك الإمام الشافعي هذه الحقيقة مبكراً، فصاغ قاعدة ذهبية في التخلي عن العلاقات التي تفقد عفويتها وتصبح عبئاً يُؤدى بالتكلف، فقال:

إذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ
وفي القَلْبِ صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ جَفا

لذا، عندما يخبرك جسدك بأن التفاعل بات قسرياً، فلك خياران: إما أن تستمر في سحب جثة وتسميها "صداقة"، أو أن تفلتها بامتنان وتمضي للأمام بخفة. وكما قال أبو الطيب المتنبي في وصف انسحاب النفس التام إذا ما عافت شيئاً:

إذا انصَرَفَتْ نَفسي عَنِ الشّيءِ لَم تَكَدْ
إلَيهِ بوَجْهٍ آخَرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ

الوهم المسمى "وحدة" والكنز المسمى "عزلة" من أكبر الأكاذيب التي نصدقها هي الخلط بين "الوحدة" و"العزلة". الوحدة هي أن تكون محاطاً بالبشر لكن لا أحد منهم يراك حقاً. أما العزلة (الخلوة)، فهي أن تكون بمفردك، وتتمكن أخيراً من التنفس.

في صخب الحياة، نملأ كل فراغ بالضجيج والخطط والناس، لأن الصمت يعني مواجهة أسئلة نتهرب من إجابتها. لكن الأشياء التي تتجنبها في الصمت لا تختفي، بل يرتفع صوتها. في العزلة تكمن الرؤية الواضحة؛ هناك فقط يمكنك أن تسمع ما تفكر فيه حقاً، لا ما يُملى عليك. عندما تجلس بهدوء، تتوقف عن طلب الإذن لتكون ما أنت عليه بالفعل، وتتوقف عن تبرير حدودك لمن لا يستوعبونها.

العزلة ليست ابتعاداً عن الناس بقدر ما هي اتصال أعمق بالنفس. وفي هذا المعنى الجليل، يقول الشاعر واصفاً حلاوة الخلوة والانسحاب من ضجيج العلاقات الزائفة:

وقد ذُقْتُ طَعْمَ العَيْشِ في كُلِّ حالَةٍ
فما ذُقْتُ أهْنَا من خُمُولٍ ووِحْدَةِ 

وما في خيالِ المرءِ أَوْفَى لحَقِّهِ
من العُزْلَةِ النَّكْرَاءِ في كُلِّ مَشْهَدِ

دائرة تضيق ليتسع المعنى مع مرور السنوات، تصبح الحياة أكثر هدوءاً. ليس لأنها أفرغت من محتواها، بل لأنك توقفت عن حشوها بالضجيج. تتوقف عن الشرح، عن أداء الأدوار، وعن التظاهر. ما يتبقى لك يصبح أقل، ولكنه حقيقي. والحقيقي هو وحده ما يصمد.

سيكون لديك أصدقاء أقل، لكنهم يعرفونك حقاً. التزامات أقل، لكنها تهمك حقاً. كلمات أقل، لكنها تعني شيئاً بالفعل. هذا ليس خسارة، بل هو "تنقية". أنت لا تتضاءل، بل تصبح أكثر وضوحاً. وبمجرد أن تتضح لك الأشياء التي تهمك، يصبح كل ما عداها مجرد ضجيج تنفضه عنك بيقين هادئ.

محمد ولد إمام

الخميس، 30 أبريل 2026

جسر جديد نحو القارئ: أرحب بكم في صفحتي الرسمية على "غودريدز"

 

صفحة محمد ولد إمام على غودريدز


من يكتب، إنما يمد يده في الظلام آملاً أن يجد يداً أخرى تصافح أفكاره. ولأن القراءة هي النصف الآخر لعملية الإبداع، كان لزاماً عليّ ككاتب وشاعر أن أتواجد حيث يتواجد القراء بشغفهم ونقاشاتهم.

يسعدني أن أعلن لقراء موقعي الكرام عن توثيق حسابي الرسمي كـمؤلف (Goodreads Author) على شبكة "غودريدز" العالمية؛ المنصة الأكبر والأهم التي تجمع ملايين القراء والكُتاب من مختلف الثقافات.

لماذا غودريدز؟ لم تعد العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة اتجاه واحد تنتهي بمجرد طباعة الكتاب. منصة غودريدز تتيح لي نافذة تفاعلية حية، حيث تم إدراج جميع أعمالي المطبوعة عبر السنوات، بدءاً من ديواني الأول "وحي الفجر" (2005)، والعمل النثري "كشكول الحياة"، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" (2024).

من خلال هذه المنصة، يمكنكم:

الاطلاع على تفاصيل كل كتاب والنبذة الخاصة به.

إضافة الكتب التي ترغبون في قراءتها مستقبلاً إلى قوائمكم الخاصة.

كتابة مراجعاتكم وانطباعاتكم بكل حرية، فالنقد هو ما يصقل تجربة الكاتب.

متابعة التحديثات والنقاشات حول الإصدارات القادمة.

ورغم اعتزازي البالغ بهذا الموقع (mohamedimame.com) كمركز رئيسي لنشر مقالاتي وتدويناتي، إلا أن "جودريدز" يظل هو "المكتبة العالمية" التي تضع الكتاب الموريتاني والعربي في قلب المشهد القرائي العالمي.

أدعوكم بحب للانضمام إلى هذه المنصة، ومتابعة حسابي عبر الرابط التالي، لنجعل من القراءة جسراً لا ينقطع بين الأرواح:

🔗 [اضغط هنا لزيارة صفحة المؤلف محمد ولد إمام على جودريدز]

ألقاكم هناك، بين رفوف الكتب ومحاريب الكلمة.

الاثنين، 27 أبريل 2026

مؤلفاتي الآن أقرب إليكم: إطلاق صفحتي الرسمية على متجر "أمازون" العالمي

كتب محمد ول إمام على أمازون
 

في مسيرة أي كاتب، يمثل التغلب على حدود الجغرافيا وتحديات التوزيع والشحن الهاجس الأكبر. فالكلمة التي تُكتب في انواكشوط أو الدوحة، تطمح دائماً لأن تجد قارئها في كل بقعة من هذا العالم.

استجابةً لطلبات القراء والأصدقاء الكرام المقيمين خارج الوطن العربي أو في دول قد لا تصلها دور النشر والتوزيع التقليدية بسهولة، يسعدني الإعلان عن تجميع كافة إصداراتي ضمن صفحتي الرسمية كـ "مؤلف" على شبكة أمازون (Amazon).

ماذا تعني صفحة المؤلف على أمازون؟ تمثل هذه الصفحة منصة عالمية تتيح للقارئ:

الطلب المباشر: طلب النسخ الورقية المطبوعة لتصل إلى باب منزله في أي دولة تدعم شحن أمازون.

القراءة الفورية: الحصول على النسخ الإلكترونية وقراءتها مباشرة عبر أجهزة وتطبيقات (Kindle).

المتابعة: الضغط على زر (Follow) داخل الصفحة ليقوم المتجر بإرسال تنبيه مباشر للقارئ فور صدور أي كتاب جديد لي مستقبلاً.

تضم الصفحة حالياً أبرز محطاتي الأدبية (مثل: ديوانا الفجر والمساء)، وسيتم تحديثها باستمرار لتشمل كل جديد.

أدعوكم لزيارة الواجهة الجديدة عبر الرابط التالي: 🔗 [صفحة المؤلف محمد ولد إمام على متجر أمازون]

لا غنى للكاتب عن قرائه، فبكم يكتمل المعنى، وبدعمكم تستمر الرحلة.

الاثنين، 20 أبريل 2026

قصائد مختارة على صفحتي على موقع الديوان

صفحة محمد ولد إمام على موقع الديوان





 في عالمنا الرقمي المتسارع، يظل التوثيق هو الحارس الأمين للمنجز الأدبي. ومن هذا المنطلق، يسعدني الإعلان عن إتاحة أرشيفي الشعري كاملاً لجمهور القراء والباحثين عبر منصة "الديوان"؛ الموسوعة التي تجمع شتات القصيد العربي وتضعه في متناول المتذوقين.

إن وجود قصائدي في هذا الفضاء الموثق ليس مجرد أرشفة رقمية، بل هو امتداد لمسيرة بدأت منذ صدور ديواني الأول "وحي الفجر" عام 2005، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" عام 2024. تضم الصفحة حالياً مجموعة مختارة من القصائد التي تمثل محطات مختلفة من رحلتي مع الكلمة، بما في ذلك "جراب الأمنيات"، "حكاية ما قبل الرحيل"، و"أنخاب الأصائل".

تهدف هذه الخطوة إلى تسهيل الوصول للنصوص الشعرية في بيئة أدبية متخصصة، تتيح للقارئ التفاعل مع البحور والقوافي والمضامين الفكرية للقصائد بشكل أعمق.

أدعو زوار موقعي الكرام للاطلاع على هذا الأرشيف المتجدد عبر الرابط التالي: [صفحة الشاعر محمد ولد إمام في موسوعة الديوان]

وسيبقى موقعنا هذا هو المركز الذي يجمع بين المقالة الصحفية، والترجمة، والومضة الشعرية، والبودكاست، في رؤية واحدة تسعى لصناعة "أثرٍ" من الكلمة.

الاثنين، 13 أبريل 2026

بوح المنابر.. قراءة نقدية في ديوان "المناجاة" بقلم الباحثة النجاح بنت محمذ فال

 

ديوان المناجاة للشاعر محد ولد إمام
من أجمل ما يُسعد الشاعر أن يرى صدى كلماته يتردد في وجدان القراء والنقاد، وأن تتحول نصوصه إلى مساحة للتأمل والتحليل. تسعدني اليوم مشاركتكم هذه القراءة النقدية الماتعة التي خطّتها يراع الباحثة والناقدة الأستاذة "النجاح بنت محمذ فال"، والتي غاصت فيها في تجليات المشاعر الدينية، من نفحات الحج إلى روحانية رمضان، بين دفتي ديواني "المناجاة". أترككم مع هذا البوح النقدي الجميل.

على منابر الحجيج عُرف الموريتاني، أكان ذلك تحت عنوانه الأول "الشنقيطي" أم في ثنايا رحلته السياسية بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية 1960.
ولم تكن رحلة الحجيج عندهم إلا أملا بمثابة الحلم بذلك شدوا في أشعارهم فقال الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيديا: 
سوى أني استباح حريم صبري
هوى الحرمين أشرف موطنين 
وسوف تفي العزائم والمهارى 
بوعد منجز من وافيين 
فقد منينني قبل المنايا 
مرور ركائبي بالدهنوين 
ينازعن الأزمة سالكات 
ممر الجيش بين العدوتين 
تبادر بالحجيج ورود بدر
ويحدوها الحنين إلى حنين

وتعلقا بالحجيج يقول محمدو ولد محمدي:
تجلدْ جهد نفسك للفراق 
    وكفكف غرب سافحة المآقي
وجرد من عزيمك ما يوازي 
           مترات المهندة الرقاق 
ونكب عن مقال أخي الهوينا 
     وعنها فهي خاسرة الصفاق  
إلى البيت العتيق بنص إحدى
       عتاق الكوم أو أحد العتاق 
إلى أن يقول: 
بزمزم غُلّتي تَغلي فمن لي
        بكأس من مدامتها دهاق
صفا نفسي الصفا ومِنًى مناها
       وبالجَمرات قلبي ذو احتراق

ويطل علينا الشاعر محمد ولد إمام بديوان المناجاة الذي عانق فيه ماضي الشعر حاضره وفيه تألق المنبر الديني ليبوح بمكنوناته أكان عرف بها من قبل أم لا. 
فقد حجز لشعر الحجيج مكانه في المقاعد الأمامية وفي تلك المقاعد نفسها حجز لشعر لم تبح المنابر الدينية به كثيرا وهو شِعر رمضان..
فما كانت للمنابر الرمضانية منزلتها في الشعر العربي ولكن الشاعر محمد ولد إمام أحلها منزلة أمامية أو إمامية.. 
وأعاد لشعر المديح ألقه الحساني وعندما نقول ألقه الحساني فإننا بذلك نثبت صلته بالشاعر الصحابي الجليل حسان بن ثابت الذي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفيا بما له من
إيحاءات لا تتكرر في غيره دون اللجوء للمقدمة الغزلية التي دأب عليها شعراء ما بعد حسان حتى وقت قريب في تزكِياتهم لِممدوحيهم.
أما حسان فاكتفى بالإيحاءات النبوية، وكذلك سار على هذا النهج شاعرنا محمد إمام وغيره من شعراء المديح المعاصرين.

ولنعد قليلا إلى منبر الحجيج ضمن ديوان المناجاة:

يقول محمد ولد إمام: جرتْ اليومَ ريحٌ طيبةٌ أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة، فأبدتْ البناء الداخليَّ لها، فكتب: 
شَـوْقـي لِـمَـكَّـةَ والـمَـقـامِ صَــحيـحُ
قَدْ شَفَّـنـي بِـهَـواهُـمـا الـتَّـبْـريـحُ
وَلِـرُؤيَـةِ الـبَـيْـتِ الـعَـتـيـقِ مَـحَـبَّـةٌ
تَشْـفـي الـمُـدَلَّـهَ بِـالْـهـوى وَتُـريـحُ
وَالـيَـوْمَ ريـحُ الـطِّـيـبِ قَـدْ مَـرَّتْ بِـهـا
لِلّٰهِ مـا فَـعَـلَـتْـهُ تِـلْـكَ الـرّيـحُ!
كَـشَـفَـتْ لِـنَـاظِـرِهـا مَـحـاسِـنَ جَـمَّـةً
"حُـسْـنُ الـعَـزاءِ وَقَـدْ كُـشِـفْـنَ قَـبـيـحُ"
ليس الشوق لمكة مجرد مشاعر وجدانية عابرة، بل هو شعور بالفقد حين يشعر المسلم بِأنه يفتقد الركن الخامس مما فرضه الإسلام ولذلك جاءت العبارات في قصيدته شوق إلى مكة مشحونة بالأسى (شفني بهواهما التبريح…) إلى غير ذلك مما يتيحه النص من تعلق بالحجيج باعث على الأسى…
ولا يبعد مقعد الركن الخامس كثيرا عن الركن الرابع ففي حنين شجي يخاطب محمد إمام رمضان:

مهلاً رمضان:

أيُّها الضيفُ هل عزمتَ رحيلاً
وهجرتَ المشتاقَ هجراً جميلاً؟
بعدَ عامٍ يأتي الوصالُ شفاءً
ليتَ هذا الوصالَ دامَ طويلاً
هو ضيفٌ يأتيكَ أهلاً وسهلاً
إن أتى غيرُه بطيئاً ثقيلاً
بهلالٍ في الأفقِ شعَّ ضياءً
تتمنّى إن زالَ أن لن يزولا
فلأيّامِه صفاءٌ ونورٌ
يجعلُ الصومَ سائغاً سلسبيلاً
ولياليهِ، إن ناشئةَ الليلِ
بساعاتِهِنَّ أقومُ قيلاً
فلكَ الحمدُ أن أتى والتقينا
لستُ أبغي بذا اللقاءِ بديلاً
صومُ ذا الشهرِ نعمةٌ من كريمٍ
فاتَ العالمينَ إلّا قليلاً
فلنُدِمْ روحَه وإن أفلَ الشهرُ
فلسنا نخشى عليها الأفولا


وهي قصيدة تسحب من رمضان صفة الضيف الثقيل وتمنحه صفات الإشعاع والنور (بهلال في الأفق شع سناه … فَلِأيامه صفاء ونور)
ويتخلل ديوان المناجاة عناق بين الركنين الرابع والخامس كما في القصيدة التالية:
مزارات المدينة ومكة:
قيلت في المدينة المنورة، أبريل 2023
هنيئاً لنا بالشهرِ والشفعِ والوترِ
وبالعشرِ منه سيّما ليلةَ القدرِ
نهارُ صيامٍ ثم ليلةُ قدرِه
سلامٌ على الدنيا إلى مطلعِ الفجرِ
وبالروضةِ الخضراءِ والمنبرِ النقيِّ
ومكّةَ دارِ الوحيِ والنورِ والبِشرِ
وبالسعيِ بين المروتَينِ وزمزمٍ
وبالحجرِ الأنقى وبالركنِ والحجرِ
وذا أُحُدٌ والمستظلُّ وعِذقُه
وذاك قُباءٌ طيّبُ الذكرِ والنشرِ
وذا بئرُ عِذقٍ والهجيمُ ونخلُه
وذا السِّدرُ يَبأى بالفخارِ على السدرِ
وهذا بقيعُ الصالحين بزوره
ترقُّ قلوبٌ قد صدِئنَ من الهجرِ
فحمداً وشكراً أن حبانا بعمرةٍ
إلهي وزادَ الجودَ بالحمدِ والشكرِ
فهذا مقامُ القانتين لربِّهم
بذكرٍ جميلٍ جاء في محكمِ الذكرِ
وترتيلِ آياتِ الكتابِ تدبّراً
وبِرٍّ به ندنو من الأحدِ البَرِّ
نفضّلُ أجرَ المحسنين بفضلِه
على الذهبِ المنظومِ والنائلِ النثرِ
وإن أخلفت بيضُ السحابِ فمُزنُه
على كلِّ قُطرٍ لا تكفُّ عن القطرِ
سحائبُ رُحمى واكفاتٌ بعفوِه
تسحُّ على سودٍ وتُقلِعُ عن خُضرِ
ومنَّ علينا بالسعادةِ في الدنا
وعند اشتدادِ الهولِ في القبرِ والحشرِ
وصلّى على خيرِ النبيّين ربُّنا
وآلٍ ذوي طهرٍ وصحبٍ ذوي فخرِ
ومهديهمُ مدحاً كجالبِ تمرِه
إلى هَجَرٍ أو جالبِ الماءِ للبحرِ


وإذا كان المطر منبع الرحمات وبِمقتضاه تعانق الأرض عطاء السماء فكذلك كان الموسِمان موسم الحجيج وموسم رمضان كما في قصيدة سحائب رمضان هذه، ففي حين كان الشاعر معتمرا وانزاح همه كما تنزاح هموم الناس بعد المطر تزاحمت في رؤاه عظمة المكان (البلاد المقدسة) مع عظمة الزمان (رمضان) فجاءت الأبيات الأربع الأولى مشعة بنور رمضان لتتَفرد القصيدة بعد ذلك لسمو المكان (الحرمين).
ولم تقتصر القصيدة على المنبرين منبر رمضان ومنبر الحجيج بل إنها تناغمت أيضا مع ما تتيحه التلاوة لدى المسلم من إلهام فوق التصور. 
ولم يغب شعر المديح كما أسلفنا عن بوح المنابر في ديوان المناجاة فله فيه صولات وجولات 
أستحضر بعضها:

رسالة للحبيب!

وقد شَرُفت هذه الأبيات بقراءتها أمام الروضة الشريفة:
ألا مَنْ مُبلغٌ عنّي رسالةً
تؤمُّ المصطفى الماحي وآلَهْ
رسالةَ وامقٍ يُهدي قريضاً
يُطاوعُه إذا رامَ ارتجالَهْ
بها يرجو الشفاعةَ والأماني
وتحقيقَ الرجا في كلِّ حالَهْ
وتيسيراً وتوفيقاً وعفواً
به تُمحى الجهالةُ والضلالةْ
ولم يتركْ ثناءُ الله فيه
لذي قولٍ مقالاً أو مقالةْ
صلاةُ الله جلَّ عليه دوماً
تُجدَّدُ بالعشيِّ وبالضُّحى لَهْ

ليس التغني بالمشاعر الدينية إلا نتيجة للالتحام القوي بها، 
وحين تتفتق قريحة شاعر فهو سيد نفسه في ما يتناول ولذلك مارس محمد ولد إمام هذه السيادة 
على منبر تفرد فيه للمشاعر الدينية بسخاء.
مع أن الديوان مشبع بأغراض أخرى لكن المنابر الثلاثة كانت ركائزه الأساسية.

عابر سبيل!

كُنْ في الحياةِ كعابرٍ لسبيلِ
واتركْ جميلاً إثرَ كلِّ جميلِ
وارضَ القليلَ من الحياةِ فكلُّنا
عمّا قليلٍ راحلٌ بقليلِ
وعِشِ الحياةَ ولا تُبالِ بصرفِها
ودَعِ الأنامَ لقالِهمْ والقيلِ

حب النبي!

أخافُ ذنوباً كمِثلِ الأتي
أساءتْ إليَّ وجارتْ عليَّ
ولكنَّ ربّي علا راحمٌ
ورُحماهُ قد وسِعتْ كلَّ شيء
وكيفَ أخافُ ولي ذمّةٌ
بحبِّ الإلهِ وحبِّ النبيِّ؟

نُشر هذا المقال النقدي للمرة الأولى في وكالة الأخبار المستقلة بتاريخ 17 فبراير 2026، بقلم الباحثة والناقدة: النجاح بنت محمذ فال. للاطلاع على المصدر الأصلي:

 https://www.alakhbar.info/6994c3e9e0b8540001afc6b1/



الأحد، 12 أبريل 2026

فاتحة المعنى..

موقع محمد ولد إمام mohamedimame.com


 فاتحة المعنى..

في زحام المنصات، وضجيج العبارات العابرة، يظل البحث عن "مستقر" للكلمة هو الهاجس الأكبر لكل كاتب. اليوم، أفتح معكم هذه النافذة الرقمية، لأصنع وطناً صغيراً لما تبعثر من نتاج السنين بين الصحف والمجلات والمنصات.

 

لماذا هذا الموقع؟

لقد علمتني الصحافة أن الخبر يموت بصدور عدد الغد، وعلمني الشعر أن المعنى يبقى ما بقي له وعاء يحفظه. هذا الموقع هو وعائي الخاص، سأجمع فيه:

 

كشكول الحياة: تأملات حرة في الفلسفة والأدب وشؤون الإنسان.

 

ديوان العرب: قصائد ومطارحات شعرية تعيد بناء الجسور مع لغتنا الأم.

 

مرفأ الترجمة: محاولات لنقل أفكار العالم إلينا، وفهم الآخر عبر وسيط اللغة.

 

ماذا أعدكم؟

لن يكون هذا الموقع مجرد أرشيف للماضي، بل سيكون مختبراً للحاضر. هنا سأنشر مقالاتي الحصرية، وتسجيلات "إمام كاست"، وقراءات في الكتب التي تستحق التوقف.

 

فيا أحباب..

أهلاً بكم في خيمتي الرقمية. هنا، "المعنى هو الوجهة"، والأدب هو رفيق الطريق. يسعدني أن تكون هذه البداية معكم، وبكم.

الأحد، 4 يناير 2026

ماذا قرأت هذا العام؟

 قوائم القراءة: بين التدوين والتفاخر

 

اعتاد كثير من القرّاء، مع نهاية كل عام، أن ينشروا قوائم بالكتب التي قرأوها أو استمعوا إليها، في لفتة تجمع بين التوثيق الشخصي، والرغبة في التحفيز، وأحيانًا الإعلان الضمني عن علاقة خاصة مع الكتاب. هذه العادة، في ظاهرها، بسيطة ومحمودة؛ فهي تشبه دفتر حسابات ثقافي، أو مفكرة ذاكرة، يعود إليها المرء ليتذكر مساره القرائي، وما الذي شكّل وعيه خلال عام كامل.

 

من هذا المنظور، تؤدي قوائم القراءة وظيفة مزدوجة. فهي أولا أداة تدوين واسترجاع، تساعد القارئ على تثبيت ما مرّ به من عناوين، ومراجعة اختياراته، وربما إعادة التفكير فيها. وهي ثانيًا وسيلة تحفيز، إذ إن رؤية الكتب متراصة في قائمة واحدة قد تشجّع صاحبها على الاستمرار، وتغري غيره بخوض التجربة، أو على الأقل إعادة الاعتبار لفعل القراءة في زمن تتنازعه المشتتات.

 

غير أن الاعتراض على هذه القوائم لا يخلو من وجاهة. فبعضها يتحول، مع الوقت، إلى عرض شكلي، أقرب إلى الاستعراض منه إلى المشاركة المعرفية. عناوين كثيرة، وأرقام لافتة، لكن من دون أثر واضح في طريقة التفكير، أو في عمق التعبير، أو في القدرة على مساءلة الواقع. كأن القراءة، في هذه الحال، تُختزل في إنجاز عددي، لا في فعل تغييري.

وهذا ما يجعل بعض المتحفظين ينظرون إلى قوائم القراءة بوصفها شكلا من أشكال التفاخر الثقافي، أو ما يشبه “سكانر” يمرّ على الصفحات من غير أن يترك أثراً يُذكر.

 

والحق أن الخلل ليس في القوائم نفسها، بل في الكيفية التي تُبنى بها علاقتنا بالقراءة.

فالمعيار الحقيقي ليس عدد الكتب، بل ما أضافته هذه الكتب إلى وعينا، وإلى قدرتنا على الفهم، وإلى طريقة تعاملنا مع الأفكار والقضايا.

القراءة، في جوهرها، ليست سباقاً لكنها تمرين بطيء على الفهم.

وقد عبّر عن هذا المعنى علماء وأدباء قدامى ومحدثون، حين شددوا على القراءة المتأنية، التي تُهضم فيها الفكرة كما يُهضم الطعام، لا القراءة التي تُلتهم فيها الصفحات التهاما.

 

من هنا أميل إلى ترجيح الرأي الذي يرى في قوائم القراءة أداة نافعة، بشرط أن تكون مدخلاً للنقاش والتأمل، لا غاية في ذاتها.

بمعنى أن تكون وسيلة لفتح حوار حول ما قرأنا، ولماذا قرأناه، وكيف غيّرنا، ولو قليلا.

فالقائمة التي تفضي إلى معنى، أو تثير سؤالاً، أو تقود إلى كتابة جديدة، أصدق من قائمة طويلة صامتة.

 

وفي هذا السياق كانت تدويناتي منذ سنوات ضمن سلسلة #بين_الكتب، حيث لم أكتفِ بعرض عناوين قراءاتي، بل توقفت عند ما تركته فيّ من أثر، وما أثارته من أسئلة، وما فتحته من نوافذ.

وبالنسبة لقراءات العام الماضي فقد كانت، في معظمها، استماعا عبر تطبيق Libby للكتب الصوتية، وهي تجربة مختلفة في الإيقاع والتلقي، لكنها لا تقل عمقاً حين تُحسن مرافقتها بالإنصات والتأمل.

وربما أتناول بعضها مما يستحق الوقوف عنه بشيء من التفصيل، فقد أفردت في فيديو قراءة في كتاب (you can't ruin my day) الذي استفدت منه كثيراً وكذلك ناقشنا في نادي كتاب "مجتمع الوراقين" رواية (قشتمر) وكتبت مراجعة لمجموعة (ثورة غباء)، وكذلك لبعض مؤلفات الشاعر الدكتور أدي آدب...

يتواصل بإذن الله على الوسم #بين_الكتب

تجدون هــــنــــا رابط مجموعة قراءاتي 2025 كلها وكذلك كتبي المنشورة 
goodreads
وللأمانة فلم أكمل بعضها فأنا ممن يرى أن الوقت أضيق والكتب أكثر من أن تحبس نفسك على كتاب لا يُضيف إليك أو لا تستمتع به.

محمد ولد إمام