الأربعاء، 26 أغسطس 2026

من الطب إلى التدريب.. درس في الذكاء العاطفي مع الدكتور نادر العدوي

 

شهادة الذكاء العاطفي.. محمد ولد إمام.

أتممت اليوم في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، امتدت على مدى ثلاثة أيام، في تجربة أخرجتني من إطار التعلم المهني المعتاد إلى مساحة أوسع تتصل بالإنسان نفسه: كيف نفهم مشاعرنا، وكيف نديرها، وكيف نفهم الآخرين ونتعامل معهم بوعي أكبر.

لكن أجمل ما في الدورات التدريبية، في رأيي، ليس ما تتركه في دفاتر الملاحظات، بل ما تتركه في طريقة النظر إلى الأشياء والناس.

وكان من حسن حظي أن يكون مدرب الدورة الدكتور نادر. وهو طبيب متخصص في أمراض الصدر، لكنه اختار في مرحلة ما أن يتبع شغفا آخر، فانتقل من الطب إلى التدريب، ومن معالجة الجسد إلى الاشتغال على الإنسان من زاوية أخرى.

ولعل الطريف في الأمر أن الدكتور نادر لم يترك روح الطبيب تماما. كان يفكك السلوك الإنساني كما لو أنه يفحص حالة سريرية، ويبحث عن أسبابها وأعراضها وطرق التعامل معها، لكن بخفة ظل جعلت الأيام الثلاثة تمر أسرع مما ينبغي.

شكرا للدكتور نادر على علمه وخبرته وروحه المرحة، وعلى قدرته على تحويل المادة التدريبية إلى تجربة إنسانية لا إلى مجموعة من التعريفات والنظريات.



والشكر موصول إلى معهد الجزيرة للإعلام على هذه الفرصة، وعلى بيئة التعلم التي يوفرها، وعلى اهتمامه المستمر بتطوير العاملين في المجال الإعلامي ومساعدتهم على اكتساب مهارات تتجاوز حدود المهنة نفسها.

أما الزملاء الذين جمعتني بهم هذه الدورة، فلهم شكر خاص. بعض أجمل ما خرجت به من هذه الأيام لم يكن في الشرائح التدريبية، بل في النقاشات الجانبية، والأسئلة، والتجارب التي تبادلناها، وفي تلك المعرفة العابرة التي قد تبدأ في قاعة تدريب وتنتهي بصداقة أو فكرة أو زاوية جديدة للنظر إلى الحياة.

ثلاثة أيام، و21 ساعة تدريبية، وشهادة أضيفها إلى ملفي المهني.

لكن القيمة الحقيقية ليست في الورقة.

القيمة في أن يعود الإنسان من دورة كهذه وهو أكثر انتباها إلى نفسه، وأكثر فهما للآخرين، وأقل استعجالا في الحكم عليهم.

وهذا، في النهاية، أحد أجمل وجوه التعلم: أن تتعلم شيئا عن نفسك وأنت تظن أنك جئت لتتعلم شيئا عن موضوع آخر.




الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

السُّبَاء.. حين لا يجد الخرابُ ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

 




السُّبَاء... حين لا يجد الخراب ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

هناك كتب تخرج من المطابع، وكتب تخرج من أصحابها.

ديوان المختار السالم الجديد «السُّبَاء» من النوع الثاني.

ليس لأنه ديوان جديد في مسيرة شاعر أصدر حتى الآن خمسة وعشرين كتابا، فالكثرة لا تصنع شاعرا، كما أن قلة الكتب لا تنفيه. وإنما لأن المختار السالم اختار هذه المرة أن يضع قصيدته كلها في مجرى واحد: قصيدة واحدة من شعر التفعيلة، تمتد على 254 صفحة.

وهذا، في حد ذاته، رهان.

فالقصيدة القصيرة تستطيع أن تختبئ وراء اللمعة. أما القصيدة الطويلة فلا ينجو فيها الشاعر إلا إذا كان لديه ما يقوله، ولديه أيضا ما يكفي من اللغة كي لا يتحول القول إلى ثرثرة موزونة.

وعنوان الديوان «السُّبَاء» ليس بريئا.

السُّباء، في العربية، هو ما يحمله السيل من مكان إلى مكان.

كأن الشاعر ينظر إلى عالمنا العربي فيرى شيئا يشبه ذلك: أشياء كانت لها أسماء وأمكنة وذاكرة، ثم جاء السيل، فحملها زبدا رابيا.

لكن المختار السالم لا يقف على الضفة ليعد ما جرفه الماء.

إنه يدخل السيل.

وهنا يبدأ الشعر.

فالقصيدة عنده ليست منشورا سياسيا مقنعا، ولا مرثية طويلة لزمن عربي مثخن بالجراح. إنها محاولة لأن تجعل اللغة نفسها تقاوم ما يحدث للإنسان.

ولهذا لفتتني عبارة الدكتور بدي أبنو المرابطي في مقدمته، حين يرى أن القصيدة لا تأتي لتضمد الجراح، وإنما «لتصوغ لها أفقا ملحميا».

هذه نقطة مهمة.

الشعر ليس طبيبا دائما.

أحيانا يكون شاهدا.

وأحيانا يكون متهما.

وأحيانا، في لحظاته النادرة، يصبح سلاحا لا يقتل أحدا، لكنه يمنع اللغة من الاستسلام.

والمختار السالم يعرف أن اللغة حين تكرر نفسها تموت قليلا. لذلك يذهب بها إلى حافتها، يناور المألوف، يخلخل القاموس، ويترك الموسيقى تحمل المعنى إلى منطقة لا يصل إليها الكلام العادي.

ومن أجمل ما في الديوان، في ظني، أنه لا يتوسل إلى القارئ.

لا يقول له: تعاطف معي.

بل يقول له: ادخل هذا الخراب، وانظر.

«من بعد كل الكلام، وكل الظلام، وما أكل الوحش والفحش، أضحى لزاما على النجم أن يولدا».

هذا هو الشعر الذي يعجبني.

الشعر الذي لا ينكر الظلام، لكنه يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.

والأجمل أن «السُّبَاء» نفسه، بوصفه ما يحمله السيل، ينقلب في نهاية المطاف إلى صورة أخرى: ربما لا يكون الإنسان مجرد حطام تحمله المياه. ربما يستطيع، وهو في قلب التيار، أن يصنع من اندفاعه قصيدة.

خمسة وعشرون إصدارا ليست مجرد محطة في سيرة شاعر. إنها مسافة طويلة قطعها المختار السالم في أرض الشعر، وما يزال يغامر.

وهذا هو المهم.

فالشاعر الحقيقي لا يكرر نجاحه.

إنه يخاطر به.

مبارك للصديق المختار السالم «السُّبَاء»، ومبارك للشعر الموريتاني هذه المغامرة.

أما القصيدة نفسها، فلا أدري إلى أين ستأخذ قارئها.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

 هو أن بعض القصائد نقرأهاوبعض القصائد تحملنا.

وهذا الديوان يبدو من النوع الذي لا يتركك على الضفة.


محمد ولد إمام. 25.08.2026..

 الدوحة، قطر.


الاثنين، 24 أغسطس 2026

شهادة إدارة المشاريع من معهد الجزيرة للإعلام، project management

 



في إدارة المشاريع... حتى الكلمات تحتاج إلى مدير

أحيانا نتعلم شيئا جديدا لا لأننا نريد أن نغير مهنتنا، بل لأننا نريد أن نفهم مهنتنا القديمة على نحو أفضل.

خلال الأيام الماضية أنهيت في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في إدارة المشاريع، وحصلت في ختامها على شهادة إتمام الدورة.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، خارج السياق قليلا بالنسبة إلى عملي الذي يدور منذ سنوات حول اللغة والتحرير والترجمة والكتابة. فما علاقة إدارة المشاريع بالكلمة والجملة والنص؟

لكنني كلما فكرت في الأمر وجدت العلاقة أوثق مما تبدو.

فالعمل الذي نطلق عليه أحيانا «كتابة» أو «ترجمة» ليس في الحقيقة كتابة وترجمة فقط. وراء المادة الجيدة سلسلة طويلة من المهام والمواعيد والمراحل والقرارات والأشخاص. هناك فكرة تبدأ، وبحث ينبغي أن يكتمل، ومسودة أولى، ومراجعات، وملاحظات، وتعديلات، وتدقيق، واعتماد، ثم نشر. وفي المشاريع الأكبر تتسع الدائرة أكثر، حتى يصبح نجاح المنتج النهائي مرهونا بقدرتنا على إدارة الطريق المؤدي إليه، لا بجودة الخطوة الأخيرة وحدها.

وقد يكون هذا أحد الأشياء التي نكتشفها متأخرين في حياتنا المهنية: أن الموهبة لا تكفي دائما.

يمكن للكاتب أن يكون صاحب أسلوب جميل، لكنه يسلّم متأخرا. ويمكن للمترجم أن يكون دقيقا جدا، لكنه لا يحسن تقدير الوقت الذي يحتاجه العمل. ويمكن لفريق كامل أن يضم أشخاصا أكفاء، ثم يفشل المشروع لأن الأدوار لم تكن واضحة، أو لأن الأولويات اختلطت، أو لأن أحدا لم ينتبه إلى المخاطر إلا بعد وقوعها.

وهنا تدخل إدارة المشاريع، لا بوصفها مجموعة مصطلحات إدارية باردة، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:

ماذا نريد أن ننجز؟

كيف سننجزه؟

من سيفعل ماذا؟

متى يجب أن يحدث ذلك؟

ما الذي يمكن أن يعطلنا؟

وماذا سنفعل عندما يحدث؟

ربما لهذا السبب وجدت الدورة أقرب إلى حياتي المهنية مما توقعت.

فالكتاب مشروع.

والمقال مشروع.

والترجمة مشروع.

والبودكاست مشروع.

وحتى الفكرة التي تظل في الرأس سنوات من دون أن تتحول إلى نص يمكن النظر إليها بوصفها مشروعا لم تُحسن إدارته بعد.

وأظن أن المشكلة التي تواجه كثيرا من أصحاب المشاريع الإبداعية ليست نقص الأفكار، وإنما فائضها.

الفكرة الجديدة تأتي بسهولة، بينما يحتاج تحويلها إلى عمل مكتمل إلى شيء أكثر قسوة: تحديد الهدف، وتقليص المشتتات، وتقسيم العمل إلى مراحل، والالتزام بموعد، وقبول أن النسخة الأولى لن تكون مثالية، ثم الاستمرار حتى النهاية.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من إدارة المشاريع هو أن المشروع لا ينجح لأننا «نشعر» بأنه سينجح، وإنما لأننا نحوله من فكرة غامضة إلى سلسلة من الأعمال الواضحة.

وهذا درس يتجاوز الإدارة إلى الكتابة والحياة نفسها.

كثير من الأشياء التي نحلم بها لا تحتاج، في بدايتها، إلى مزيد من الإلهام. تحتاج إلى خطة.

ومزيد من الأشياء لا تتعثر لأننا لا نملك القدرة عليها، وإنما لأننا لم نعرف كيف نقسمها إلى خطوات صغيرة يمكن إنجازها.

من هذه الزاوية، لم تكن دورة إدارة المشاريع بالنسبة إليّ مجرد دورة إضافية أضعها في ملف مهني أو شهادة أخرى أضيفها إلى سيرتي الذاتية.

كانت تذكيرا بشيء أعرفه نظريا، وأحتاج إلى أن أتذكره عمليا:

أن الفكرة الجميلة لا تصبح إنجازا إلا عندما تجد طريقها من الرأس إلى الورق، ومن الورق إلى خطة، ومن الخطة إلى عمل، ومن العمل إلى نهاية.

ولعل هذا ينطبق على الكلمات أيضا.

فنحن نميل إلى الاحتفاء بالكلمة حين تصل إلى صورتها الأخيرة، وننسى الطريق الطويل الذي قطعته قبل أن تصل إلينا.

وهذا يعيدني، بطريقة ما، إلى الشيء الذي ما زلت أجد نفسي أكثر انشغالا به: اللغة.

فحتى الكلمات لديها مشاريعها الخاصة.

لكل كلمة بدايتها، ومراحل تطورها، ومنعطفاتها، ومخاطرها، وأحيانا نهايتها.

وبعض الكلمات تنجح في إدارة مشروعها التاريخي، فتعمر قرونا طويلة، وبعضها يفشل في منتصف الطريق، وبعضها يغيّر اسمه ومعناه بالكامل ثم يعود إلينا بعد مئات السنين وكأن شيئا لم يحدث.

ربما لهذا لا أرى أن تعلم مجال جديد يعني دائما الابتعاد عن مجالنا الأصلي.

أحيانا نحتاج إلى أن نخرج خطوة واحدة من تخصصنا حتى نراه بوضوح أكبر.

وهذا ما أرجو أن تكون هذه الدورة قد أضافته إليّ: ليس مهنة جديدة، وإنما طريقة أفضل في النظر إلى المهنة التي أمارسها منذ سنوات.

شهادة جديدة، إذن، نعم. لكن الأهم منها ربما سؤال جديد: ما المشاريع التي ينبغي أن أبدأ في إدارتها فعلا؟

وقد يكون أولها تلك الأفكار الكثيرة التي ظلت طويلا تنتظر دورها.
محمد ولد إمام

الاثنين، 10 أغسطس 2026

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقالي الجديد على الجزيرة]

 

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقال محمد ولد إمام الجديد على الجزيرة]


هل سبق لك أن تعلمت لغة جديدة واكتشفت بعد فترة أنك لم تكتسب كلمات جديدة فحسب، بل بدأت ترى العالم بطريقة مختلفة تماماً؟

كثيراً ما نتوهم أننا نستخدم اللغة كأداة مجردة نخرجها حين نريد التعبير ثم نعيدها إلى مكانها. لكن الحقيقة هي أننا قبل أن نتكلم باللغة، تكون هي قد تكلمت بنا وشكّلت حدود وعينا وإدراكنا للوجود.

في مقالي الأخير المنشور على الجزيرة نت، أتطرق إلى هذه العلاقة المركبة بين اللسان والعقل، ونناقش من خلال مقولة الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين: "حدود لغتي تعني حدود عالمي":

  • كيف تجعلنا اللغة نرى ما لا نراه في غياب المفردة؟

  • لماذا تملك بعض اللغات مفردات دقيقة لمشاعر أو حالات طبيعية لا نجد لها مقابلاً في لغات أخرى؟

  • وكيف تشكل الشبكة المفهومية للغتك طريقة تفكيرك ورؤيتك لذاتك وللعالم من حولك؟

📌 لقراءة المقال كاملاً على موقع الجزيرة نت عبر الرابط التالي: https://aja.ws/b5g54e

💡 أتطلع لمعرفة آرائكم وانطباعاتكم في التعليقات: هل شعرت يوماً أن لغة أخرى أتاحت لك رؤية جانب جديد من شخصيتك أو من العالم؟

الاثنين، 20 يوليو 2026

معنى الحياة!

 

قرأت في رواية تشاييم بوتوك (The Chosen) أو المختار، هذا الاقتباس الرائع:

"إن البشر لا يعيشون إلى الأبد يا روبين.. حياتنا أقصر من طرفة عين إذا ما قيست بالأبدية. لذلك قد يتساءل المرء: ما قيمة الحياة الإنسانية إذن؟ ولماذا كل هذا الألم في العالم؟ ما معنى كل هذه المعاناة، إن كانت أسرار وجودنا لا تتعدى مجرد أمد خاطف؟

لقد تعلمتُ منذ زمن بعيد أن "طرفة العين" في ذاتها لا تساوي شيئاً.. لكن "العين التي تطرف"، تلك هي الجوهر. عمر الإنسان مجرد رقم خاطف، لكن "الإنسان الذي يعيش هذا العمر" هو الكائن الذي يعني كل شيء.

بإمكانه أن يملأ تلك اللحظة العابرة بالمعنى، لتصبح قيمتها لا تُقاس، حتى وإن كانت مدتها لا تُذكر. على المرء أن يصنع لمعنى حياته وجوداً، فالمعنى ليس هبة مجانية تُمنح لنا مع الميلاد.

إن ملء الحياة بالمعنى جهادٌ شاق—وهو أمر لا أظنك أدركته تماماً بعد. الحياة المليئة بالمعنى هي الوحيدة التي تستحق الراحة بعد الرحيل.. وأنا أريد أن أكون جديراً بتلك الراحة حين لا أعود هنا."

قلتُ إن الإنسان، وهو يقيس عمره بعمر الجبال أو النجوم، ربما يخيل إليه أنه لم يُمنح سوى لمحة من الوقت. ومن هنا ينشأ السؤال الذي لم يفارق الفلاسفة والشعراء منذ آلاف السنين: إذا كانت الحياة بهذه القِصَر، فلماذا نحمّلها كل هذه الأحلام، وكل هذا السعي، وكل هذا الألم؟

لكن السؤال قد يكون مضللاً منذ البداية، لأنه يفترض أن قيمة الشيء تُقاس بامتداده في الزمن. ونحن نعرف أن هذا ليس صحيحاً. فالبرق لا يلبث في السماء إلا لحظة، ومع ذلك يشق الليل كله. وكلمة واحدة قد تغيّر مصير إنسان، بينما تعجز سنوات من الصمت عن أن تفعل شيئاً. ليست المدة هي التي تمنح الأشياء قيمتها، وإنما ما يحدث خلالها.

لهذا لا أظن أن المأساة الكبرى هي أن أعمارنا قصيرة، بل أن كثيراً منها يضيع في حياة مؤجلة. نؤجل الكتب التي أردنا قراءتها، والكلمات التي كان ينبغي أن نقولها، والأحلام التي ظننا أن لها موعداً آخر. نعيش كأن الزمن يدين لنا بالمزيد، مع أنه لا يعد أحداً بشيء.

ولعل المعنى نفسه لا ينتظرنا في نهاية الطريق حتى نعثر عليه، بل يتشكل تحت أقدامنا ونحن نسير. ليس شيئاً نكتشفه دفعة واحدة، وإنما شيء نصنعه بقراراتنا الصغيرة، بطريقة نظرنا إلى العالم، وبما نمنحه من وقت واهتمام وحب. وقد يعيش إنسان ثمانين عاماً دون أن يبني معنى واحداً، بينما يترك آخر، في عمر أقصر، أثراً يبقى بعد غيابه بسنين طويلة.

لهذا لا يبدو السؤال الأهم: كم بقي لنا من العمر؟ بل: ماذا سنضع في هذا العمر قبل أن ينقضي؟ فما يبقى من الإنسان ليس عدد السنوات التي عبرها، وإنما مقدار الحياة التي استطاع أن يسكبها في تلك السنوات.

ربما لهذا تبدو الراحة التي يتحدث عنها بوتوك في نهاية الاقتباس استحقاقاً أخلاقياً أكثر منها نهاية بيولوجية. فالراحة الحقيقية ليست أن تتوقف الحياة، بل أن تستطيع، عندما تلتفت إلى الوراء، أن تقول: لم يكن وجودي مجرد عبور، بل كان إضافة، ولو كانت صغيرة، إلى هذا العالم.

فالخلود الذي يحلم به البشر ليس امتدادا للزمن، لكنه امتداد للمعنى.

محمد ولد إمام.

الخميس، 4 يونيو 2026

من نافذة الحرف إلى فضاء التواصل المهني: جسر جديد عبر "لينكد إن"

محمد ولد إمام على منصة لينكد إن، Mohamed Ould Imame on LinkedIn



الكلمة هي جسري الأول الممتد نحو العالم. عبر صفحات الكتب، وقصائد الشعر، ومقالات الرأي، حاولت دائماً أن أنسج حواراً هادئاً وعميقاً مع القارئ، باحثاً عن المعنى خلف الكلمات، ومحاولاً أرشفة الحياة بين السطور.

اليوم، وفي ظل التشابك المعرفي والتكنولوجي الذي نعيشه، أدركت أن الحرف لا يجب أن يظل حبيس الأوراق أو زوايا المواقع الإخبارية فقط، بل يجب أن يمتد ليصافح العقول المهنية، ويفتح نوافذ جديدة لتبادل الأفكار والخبرات. من هذا المنطلق، يسعدني أن أعلن عن إطلاق وتوثيق مساحتي المهنية الرسمية عبر منصة "لينكد إن".

لم تكن خطوة الانضمام إلى هذه المنصة مجرد تسجيل روتيني، بل هي محاولة لجمع شتات الهوية الرقمية في مكان واحد؛ ففي هذه المساحة، تلتقي إصداراتي الأدبية مثل "أنخاب الأصائل" و"كشكول الحياة"، مع مسيرتي الصحفية والترجمية، وتتقاطع مع تجاربي في صناعة المحتوى الصوتي والمرئي عبر "إمام كاست".

عبر هذه النافذة الجديدة، أتطلع إلى:

  • بناء شبكة تواصل أعمق: مع الزملاء من الكتاب، والباحثين، وصناع المحتوى، والمؤسسات الثقافية والإعلامية.

  • مشاركة كواليس العمل المعرفي: تسليط الضوء على الجانب المهني من الترجمة، والبحث العلمي، وتحديات النشر، وصناعة البودكاست.

  • تبادل الرؤى: حول مستقبل الأدب والصحافة في العصر الرقمي، وكيف يمكن للثقافة أن تجد لنفسها مكاناً وسط زخم التكنولوجيا.

أدعو كل زميل وقارئ ومهتم بالشأن الثقافي والإعلامي لمرافقتي في هذه المساحة الجديدة، لنصنع معاً حواراً مهنياً يثري العقل ويحتفي بالمعرفة.

[زر أو رابط: تفضلوا بزيارة ملفي المهني على لينكد إن من هنا]

الخميس، 14 مايو 2026

الانسحاب بصمت!

 



 متى يكون انسحابنا من العلاقات ارتقاءً وليس خسارة؟

هناك نسخة منك ماتت منذ سنوات ولم يخبرك أحد بذلك؛ نسخةٌ ما زلت تحمل جثتها على كتفيك ظناً منك أنها هويتك، بينما وزنها يسحقك ببطء. لقد كذبوا علينا حين أوهمونا أن النهايات يجب أن تكون صاخبة، وأن فقدان الأشخاص هو دائماً مأساة تستوجب الرثاء. لكن الحقيقة التي نتعلمها بعد أن نُفرغ أكواب طاقتنا في أوعية مثقوبة، هي أن أعمق التحولات في حياتنا، وأصدق النهايات، تحدث في صمت تام.

الرحيل الصامت: حين تنتهي الفصول لا تلاحظ عادةً متى يتحول شخص مألوف إلى غريب. الأمر لا تسبقه إعلانات ولا ترافقه دراما أو انقطاع حاد. في يوم من الأيام، ترفع رأسك لتجد أن صديقك المقرب بات يحمل معتقدات مختلفة تماماً، أو أن شخصاً عزيزاً أصبح وكأنه قريب بعيد لا يربطك به سوى التاريخ المشترك.

لقد جرفكم التيار بعيداً، أو ربما انحسرت مياهه. وبحلول الوقت الذي تدرك فيه ذلك، تكونان قد أصبحتم على ضفتين متباعدتين. نحن نخسر من العلاقات لحساب "الصمت" أكثر بكثير مما نخسره لحساب "الخلافات". فالشجار على الأقل يمنحك مادة للإصلاح، أما الصمت فيذيب العلاقات ببطء كما يذوب السكر في الماء.

وهنا يكمن الجزء الذي لا يتحدث عنه أحد: في بعض الأحيان، هذا أمر طبيعي ومقبول. لسنا مجبرين على الاحتفاظ بكل شخص في كل فصل من فصول حياتنا بدافع الشعور بالذنب أو الحنين. بعض الناس هم "شخصيات مرحلية"؛ يعلمونك الدرس الذي كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة، ثم يغادرون المسرح بهدوء. محاولة إجبارهم على البقاء حين يصبح التواصل أشبه بـ "وظيفة شاقة" هو ظلم للنفس ولهم.

وقد أدرك الإمام الشافعي هذه الحقيقة مبكراً، فصاغ قاعدة ذهبية في التخلي عن العلاقات التي تفقد عفويتها وتصبح عبئاً يُؤدى بالتكلف، فقال:

إذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ
وفي القَلْبِ صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ جَفا

لذا، عندما يخبرك جسدك بأن التفاعل بات قسرياً، فلك خياران: إما أن تستمر في سحب جثة وتسميها "صداقة"، أو أن تفلتها بامتنان وتمضي للأمام بخفة. وكما قال أبو الطيب المتنبي في وصف انسحاب النفس التام إذا ما عافت شيئاً:

إذا انصَرَفَتْ نَفسي عَنِ الشّيءِ لَم تَكَدْ
إلَيهِ بوَجْهٍ آخَرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ

الوهم المسمى "وحدة" والكنز المسمى "عزلة" من أكبر الأكاذيب التي نصدقها هي الخلط بين "الوحدة" و"العزلة". الوحدة هي أن تكون محاطاً بالبشر لكن لا أحد منهم يراك حقاً. أما العزلة (الخلوة)، فهي أن تكون بمفردك، وتتمكن أخيراً من التنفس.

في صخب الحياة، نملأ كل فراغ بالضجيج والخطط والناس، لأن الصمت يعني مواجهة أسئلة نتهرب من إجابتها. لكن الأشياء التي تتجنبها في الصمت لا تختفي، بل يرتفع صوتها. في العزلة تكمن الرؤية الواضحة؛ هناك فقط يمكنك أن تسمع ما تفكر فيه حقاً، لا ما يُملى عليك. عندما تجلس بهدوء، تتوقف عن طلب الإذن لتكون ما أنت عليه بالفعل، وتتوقف عن تبرير حدودك لمن لا يستوعبونها.

العزلة ليست ابتعاداً عن الناس بقدر ما هي اتصال أعمق بالنفس. وفي هذا المعنى الجليل، يقول الشاعر واصفاً حلاوة الخلوة والانسحاب من ضجيج العلاقات الزائفة:

وقد ذُقْتُ طَعْمَ العَيْشِ في كُلِّ حالَةٍ
فما ذُقْتُ أهْنَا من خُمُولٍ ووِحْدَةِ 

وما في خيالِ المرءِ أَوْفَى لحَقِّهِ
من العُزْلَةِ النَّكْرَاءِ في كُلِّ مَشْهَدِ

دائرة تضيق ليتسع المعنى مع مرور السنوات، تصبح الحياة أكثر هدوءاً. ليس لأنها أفرغت من محتواها، بل لأنك توقفت عن حشوها بالضجيج. تتوقف عن الشرح، عن أداء الأدوار، وعن التظاهر. ما يتبقى لك يصبح أقل، ولكنه حقيقي. والحقيقي هو وحده ما يصمد.

سيكون لديك أصدقاء أقل، لكنهم يعرفونك حقاً. التزامات أقل، لكنها تهمك حقاً. كلمات أقل، لكنها تعني شيئاً بالفعل. هذا ليس خسارة، بل هو "تنقية". أنت لا تتضاءل، بل تصبح أكثر وضوحاً. وبمجرد أن تتضح لك الأشياء التي تهمك، يصبح كل ما عداها مجرد ضجيج تنفضه عنك بيقين هادئ.

محمد ولد إمام

الخميس، 30 أبريل 2026

جسر جديد نحو القارئ: أرحب بكم في صفحتي الرسمية على "غودريدز"

 

صفحة محمد ولد إمام على غودريدز


من يكتب، إنما يمد يده في الظلام آملاً أن يجد يداً أخرى تصافح أفكاره. ولأن القراءة هي النصف الآخر لعملية الإبداع، كان لزاماً عليّ ككاتب وشاعر أن أتواجد حيث يتواجد القراء بشغفهم ونقاشاتهم.

يسعدني أن أعلن لقراء موقعي الكرام عن توثيق حسابي الرسمي كـمؤلف (Goodreads Author) على شبكة "غودريدز" العالمية؛ المنصة الأكبر والأهم التي تجمع ملايين القراء والكُتاب من مختلف الثقافات.

لماذا غودريدز؟ لم تعد العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة اتجاه واحد تنتهي بمجرد طباعة الكتاب. منصة غودريدز تتيح لي نافذة تفاعلية حية، حيث تم إدراج جميع أعمالي المطبوعة عبر السنوات، بدءاً من ديواني الأول "وحي الفجر" (2005)، والعمل النثري "كشكول الحياة"، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" (2024).

من خلال هذه المنصة، يمكنكم:

الاطلاع على تفاصيل كل كتاب والنبذة الخاصة به.

إضافة الكتب التي ترغبون في قراءتها مستقبلاً إلى قوائمكم الخاصة.

كتابة مراجعاتكم وانطباعاتكم بكل حرية، فالنقد هو ما يصقل تجربة الكاتب.

متابعة التحديثات والنقاشات حول الإصدارات القادمة.

ورغم اعتزازي البالغ بهذا الموقع (mohamedimame.com) كمركز رئيسي لنشر مقالاتي وتدويناتي، إلا أن "جودريدز" يظل هو "المكتبة العالمية" التي تضع الكتاب الموريتاني والعربي في قلب المشهد القرائي العالمي.

أدعوكم بحب للانضمام إلى هذه المنصة، ومتابعة حسابي عبر الرابط التالي، لنجعل من القراءة جسراً لا ينقطع بين الأرواح:

🔗 [اضغط هنا لزيارة صفحة المؤلف محمد ولد إمام على جودريدز]

ألقاكم هناك، بين رفوف الكتب ومحاريب الكلمة.

الاثنين، 27 أبريل 2026

مؤلفاتي الآن أقرب إليكم: إطلاق صفحتي الرسمية على متجر "أمازون" العالمي

كتب محمد ول إمام على أمازون
 

في مسيرة أي كاتب، يمثل التغلب على حدود الجغرافيا وتحديات التوزيع والشحن الهاجس الأكبر. فالكلمة التي تُكتب في انواكشوط أو الدوحة، تطمح دائماً لأن تجد قارئها في كل بقعة من هذا العالم.

استجابةً لطلبات القراء والأصدقاء الكرام المقيمين خارج الوطن العربي أو في دول قد لا تصلها دور النشر والتوزيع التقليدية بسهولة، يسعدني الإعلان عن تجميع كافة إصداراتي ضمن صفحتي الرسمية كـ "مؤلف" على شبكة أمازون (Amazon).

ماذا تعني صفحة المؤلف على أمازون؟ تمثل هذه الصفحة منصة عالمية تتيح للقارئ:

الطلب المباشر: طلب النسخ الورقية المطبوعة لتصل إلى باب منزله في أي دولة تدعم شحن أمازون.

القراءة الفورية: الحصول على النسخ الإلكترونية وقراءتها مباشرة عبر أجهزة وتطبيقات (Kindle).

المتابعة: الضغط على زر (Follow) داخل الصفحة ليقوم المتجر بإرسال تنبيه مباشر للقارئ فور صدور أي كتاب جديد لي مستقبلاً.

تضم الصفحة حالياً أبرز محطاتي الأدبية (مثل: ديوانا الفجر والمساء)، وسيتم تحديثها باستمرار لتشمل كل جديد.

أدعوكم لزيارة الواجهة الجديدة عبر الرابط التالي: 🔗 [صفحة المؤلف محمد ولد إمام على متجر أمازون]

لا غنى للكاتب عن قرائه، فبكم يكتمل المعنى، وبدعمكم تستمر الرحلة.

الاثنين، 20 أبريل 2026

قصائد مختارة على صفحتي على موقع الديوان

صفحة محمد ولد إمام على موقع الديوان





 في عالمنا الرقمي المتسارع، يظل التوثيق هو الحارس الأمين للمنجز الأدبي. ومن هذا المنطلق، يسعدني الإعلان عن إتاحة أرشيفي الشعري كاملاً لجمهور القراء والباحثين عبر منصة "الديوان"؛ الموسوعة التي تجمع شتات القصيد العربي وتضعه في متناول المتذوقين.

إن وجود قصائدي في هذا الفضاء الموثق ليس مجرد أرشفة رقمية، بل هو امتداد لمسيرة بدأت منذ صدور ديواني الأول "وحي الفجر" عام 2005، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" عام 2024. تضم الصفحة حالياً مجموعة مختارة من القصائد التي تمثل محطات مختلفة من رحلتي مع الكلمة، بما في ذلك "جراب الأمنيات"، "حكاية ما قبل الرحيل"، و"أنخاب الأصائل".

تهدف هذه الخطوة إلى تسهيل الوصول للنصوص الشعرية في بيئة أدبية متخصصة، تتيح للقارئ التفاعل مع البحور والقوافي والمضامين الفكرية للقصائد بشكل أعمق.

أدعو زوار موقعي الكرام للاطلاع على هذا الأرشيف المتجدد عبر الرابط التالي: [صفحة الشاعر محمد ولد إمام في موسوعة الديوان]

وسيبقى موقعنا هذا هو المركز الذي يجمع بين المقالة الصحفية، والترجمة، والومضة الشعرية، والبودكاست، في رؤية واحدة تسعى لصناعة "أثرٍ" من الكلمة.

الاثنين، 13 أبريل 2026

بوح المنابر.. قراءة نقدية في ديوان "المناجاة" بقلم الباحثة النجاح بنت محمذ فال

 

ديوان المناجاة للشاعر محد ولد إمام
من أجمل ما يُسعد الشاعر أن يرى صدى كلماته يتردد في وجدان القراء والنقاد، وأن تتحول نصوصه إلى مساحة للتأمل والتحليل. تسعدني اليوم مشاركتكم هذه القراءة النقدية الماتعة التي خطّتها يراع الباحثة والناقدة الأستاذة "النجاح بنت محمذ فال"، والتي غاصت فيها في تجليات المشاعر الدينية، من نفحات الحج إلى روحانية رمضان، بين دفتي ديواني "المناجاة". أترككم مع هذا البوح النقدي الجميل.

على منابر الحجيج عُرف الموريتاني، أكان ذلك تحت عنوانه الأول "الشنقيطي" أم في ثنايا رحلته السياسية بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية 1960.
ولم تكن رحلة الحجيج عندهم إلا أملا بمثابة الحلم بذلك شدوا في أشعارهم فقال الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيديا: 
سوى أني استباح حريم صبري
هوى الحرمين أشرف موطنين 
وسوف تفي العزائم والمهارى 
بوعد منجز من وافيين 
فقد منينني قبل المنايا 
مرور ركائبي بالدهنوين 
ينازعن الأزمة سالكات 
ممر الجيش بين العدوتين 
تبادر بالحجيج ورود بدر
ويحدوها الحنين إلى حنين

وتعلقا بالحجيج يقول محمدو ولد محمدي:
تجلدْ جهد نفسك للفراق 
    وكفكف غرب سافحة المآقي
وجرد من عزيمك ما يوازي 
           مترات المهندة الرقاق 
ونكب عن مقال أخي الهوينا 
     وعنها فهي خاسرة الصفاق  
إلى البيت العتيق بنص إحدى
       عتاق الكوم أو أحد العتاق 
إلى أن يقول: 
بزمزم غُلّتي تَغلي فمن لي
        بكأس من مدامتها دهاق
صفا نفسي الصفا ومِنًى مناها
       وبالجَمرات قلبي ذو احتراق

ويطل علينا الشاعر محمد ولد إمام بديوان المناجاة الذي عانق فيه ماضي الشعر حاضره وفيه تألق المنبر الديني ليبوح بمكنوناته أكان عرف بها من قبل أم لا. 
فقد حجز لشعر الحجيج مكانه في المقاعد الأمامية وفي تلك المقاعد نفسها حجز لشعر لم تبح المنابر الدينية به كثيرا وهو شِعر رمضان..
فما كانت للمنابر الرمضانية منزلتها في الشعر العربي ولكن الشاعر محمد ولد إمام أحلها منزلة أمامية أو إمامية.. 
وأعاد لشعر المديح ألقه الحساني وعندما نقول ألقه الحساني فإننا بذلك نثبت صلته بالشاعر الصحابي الجليل حسان بن ثابت الذي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفيا بما له من
إيحاءات لا تتكرر في غيره دون اللجوء للمقدمة الغزلية التي دأب عليها شعراء ما بعد حسان حتى وقت قريب في تزكِياتهم لِممدوحيهم.
أما حسان فاكتفى بالإيحاءات النبوية، وكذلك سار على هذا النهج شاعرنا محمد إمام وغيره من شعراء المديح المعاصرين.

ولنعد قليلا إلى منبر الحجيج ضمن ديوان المناجاة:

يقول محمد ولد إمام: جرتْ اليومَ ريحٌ طيبةٌ أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة، فأبدتْ البناء الداخليَّ لها، فكتب: 
شَـوْقـي لِـمَـكَّـةَ والـمَـقـامِ صَــحيـحُ
قَدْ شَفَّـنـي بِـهَـواهُـمـا الـتَّـبْـريـحُ
وَلِـرُؤيَـةِ الـبَـيْـتِ الـعَـتـيـقِ مَـحَـبَّـةٌ
تَشْـفـي الـمُـدَلَّـهَ بِـالْـهـوى وَتُـريـحُ
وَالـيَـوْمَ ريـحُ الـطِّـيـبِ قَـدْ مَـرَّتْ بِـهـا
لِلّٰهِ مـا فَـعَـلَـتْـهُ تِـلْـكَ الـرّيـحُ!
كَـشَـفَـتْ لِـنَـاظِـرِهـا مَـحـاسِـنَ جَـمَّـةً
"حُـسْـنُ الـعَـزاءِ وَقَـدْ كُـشِـفْـنَ قَـبـيـحُ"
ليس الشوق لمكة مجرد مشاعر وجدانية عابرة، بل هو شعور بالفقد حين يشعر المسلم بِأنه يفتقد الركن الخامس مما فرضه الإسلام ولذلك جاءت العبارات في قصيدته شوق إلى مكة مشحونة بالأسى (شفني بهواهما التبريح…) إلى غير ذلك مما يتيحه النص من تعلق بالحجيج باعث على الأسى…
ولا يبعد مقعد الركن الخامس كثيرا عن الركن الرابع ففي حنين شجي يخاطب محمد إمام رمضان:

مهلاً رمضان:

أيُّها الضيفُ هل عزمتَ رحيلاً
وهجرتَ المشتاقَ هجراً جميلاً؟
بعدَ عامٍ يأتي الوصالُ شفاءً
ليتَ هذا الوصالَ دامَ طويلاً
هو ضيفٌ يأتيكَ أهلاً وسهلاً
إن أتى غيرُه بطيئاً ثقيلاً
بهلالٍ في الأفقِ شعَّ ضياءً
تتمنّى إن زالَ أن لن يزولا
فلأيّامِه صفاءٌ ونورٌ
يجعلُ الصومَ سائغاً سلسبيلاً
ولياليهِ، إن ناشئةَ الليلِ
بساعاتِهِنَّ أقومُ قيلاً
فلكَ الحمدُ أن أتى والتقينا
لستُ أبغي بذا اللقاءِ بديلاً
صومُ ذا الشهرِ نعمةٌ من كريمٍ
فاتَ العالمينَ إلّا قليلاً
فلنُدِمْ روحَه وإن أفلَ الشهرُ
فلسنا نخشى عليها الأفولا


وهي قصيدة تسحب من رمضان صفة الضيف الثقيل وتمنحه صفات الإشعاع والنور (بهلال في الأفق شع سناه … فَلِأيامه صفاء ونور)
ويتخلل ديوان المناجاة عناق بين الركنين الرابع والخامس كما في القصيدة التالية:
مزارات المدينة ومكة:
قيلت في المدينة المنورة، أبريل 2023
هنيئاً لنا بالشهرِ والشفعِ والوترِ
وبالعشرِ منه سيّما ليلةَ القدرِ
نهارُ صيامٍ ثم ليلةُ قدرِه
سلامٌ على الدنيا إلى مطلعِ الفجرِ
وبالروضةِ الخضراءِ والمنبرِ النقيِّ
ومكّةَ دارِ الوحيِ والنورِ والبِشرِ
وبالسعيِ بين المروتَينِ وزمزمٍ
وبالحجرِ الأنقى وبالركنِ والحجرِ
وذا أُحُدٌ والمستظلُّ وعِذقُه
وذاك قُباءٌ طيّبُ الذكرِ والنشرِ
وذا بئرُ عِذقٍ والهجيمُ ونخلُه
وذا السِّدرُ يَبأى بالفخارِ على السدرِ
وهذا بقيعُ الصالحين بزوره
ترقُّ قلوبٌ قد صدِئنَ من الهجرِ
فحمداً وشكراً أن حبانا بعمرةٍ
إلهي وزادَ الجودَ بالحمدِ والشكرِ
فهذا مقامُ القانتين لربِّهم
بذكرٍ جميلٍ جاء في محكمِ الذكرِ
وترتيلِ آياتِ الكتابِ تدبّراً
وبِرٍّ به ندنو من الأحدِ البَرِّ
نفضّلُ أجرَ المحسنين بفضلِه
على الذهبِ المنظومِ والنائلِ النثرِ
وإن أخلفت بيضُ السحابِ فمُزنُه
على كلِّ قُطرٍ لا تكفُّ عن القطرِ
سحائبُ رُحمى واكفاتٌ بعفوِه
تسحُّ على سودٍ وتُقلِعُ عن خُضرِ
ومنَّ علينا بالسعادةِ في الدنا
وعند اشتدادِ الهولِ في القبرِ والحشرِ
وصلّى على خيرِ النبيّين ربُّنا
وآلٍ ذوي طهرٍ وصحبٍ ذوي فخرِ
ومهديهمُ مدحاً كجالبِ تمرِه
إلى هَجَرٍ أو جالبِ الماءِ للبحرِ


وإذا كان المطر منبع الرحمات وبِمقتضاه تعانق الأرض عطاء السماء فكذلك كان الموسِمان موسم الحجيج وموسم رمضان كما في قصيدة سحائب رمضان هذه، ففي حين كان الشاعر معتمرا وانزاح همه كما تنزاح هموم الناس بعد المطر تزاحمت في رؤاه عظمة المكان (البلاد المقدسة) مع عظمة الزمان (رمضان) فجاءت الأبيات الأربع الأولى مشعة بنور رمضان لتتَفرد القصيدة بعد ذلك لسمو المكان (الحرمين).
ولم تقتصر القصيدة على المنبرين منبر رمضان ومنبر الحجيج بل إنها تناغمت أيضا مع ما تتيحه التلاوة لدى المسلم من إلهام فوق التصور. 
ولم يغب شعر المديح كما أسلفنا عن بوح المنابر في ديوان المناجاة فله فيه صولات وجولات 
أستحضر بعضها:

رسالة للحبيب!

وقد شَرُفت هذه الأبيات بقراءتها أمام الروضة الشريفة:
ألا مَنْ مُبلغٌ عنّي رسالةً
تؤمُّ المصطفى الماحي وآلَهْ
رسالةَ وامقٍ يُهدي قريضاً
يُطاوعُه إذا رامَ ارتجالَهْ
بها يرجو الشفاعةَ والأماني
وتحقيقَ الرجا في كلِّ حالَهْ
وتيسيراً وتوفيقاً وعفواً
به تُمحى الجهالةُ والضلالةْ
ولم يتركْ ثناءُ الله فيه
لذي قولٍ مقالاً أو مقالةْ
صلاةُ الله جلَّ عليه دوماً
تُجدَّدُ بالعشيِّ وبالضُّحى لَهْ

ليس التغني بالمشاعر الدينية إلا نتيجة للالتحام القوي بها، 
وحين تتفتق قريحة شاعر فهو سيد نفسه في ما يتناول ولذلك مارس محمد ولد إمام هذه السيادة 
على منبر تفرد فيه للمشاعر الدينية بسخاء.
مع أن الديوان مشبع بأغراض أخرى لكن المنابر الثلاثة كانت ركائزه الأساسية.

عابر سبيل!

كُنْ في الحياةِ كعابرٍ لسبيلِ
واتركْ جميلاً إثرَ كلِّ جميلِ
وارضَ القليلَ من الحياةِ فكلُّنا
عمّا قليلٍ راحلٌ بقليلِ
وعِشِ الحياةَ ولا تُبالِ بصرفِها
ودَعِ الأنامَ لقالِهمْ والقيلِ

حب النبي!

أخافُ ذنوباً كمِثلِ الأتي
أساءتْ إليَّ وجارتْ عليَّ
ولكنَّ ربّي علا راحمٌ
ورُحماهُ قد وسِعتْ كلَّ شيء
وكيفَ أخافُ ولي ذمّةٌ
بحبِّ الإلهِ وحبِّ النبيِّ؟

نُشر هذا المقال النقدي للمرة الأولى في وكالة الأخبار المستقلة بتاريخ 17 فبراير 2026، بقلم الباحثة والناقدة: النجاح بنت محمذ فال. للاطلاع على المصدر الأصلي:

 https://www.alakhbar.info/6994c3e9e0b8540001afc6b1/



الأحد، 12 أبريل 2026

فاتحة المعنى..

موقع محمد ولد إمام mohamedimame.com


 فاتحة المعنى..

في زحام المنصات، وضجيج العبارات العابرة، يظل البحث عن "مستقر" للكلمة هو الهاجس الأكبر لكل كاتب. اليوم، أفتح معكم هذه النافذة الرقمية، لأصنع وطناً صغيراً لما تبعثر من نتاج السنين بين الصحف والمجلات والمنصات.

 

لماذا هذا الموقع؟

لقد علمتني الصحافة أن الخبر يموت بصدور عدد الغد، وعلمني الشعر أن المعنى يبقى ما بقي له وعاء يحفظه. هذا الموقع هو وعائي الخاص، سأجمع فيه:

 

كشكول الحياة: تأملات حرة في الفلسفة والأدب وشؤون الإنسان.

 

ديوان العرب: قصائد ومطارحات شعرية تعيد بناء الجسور مع لغتنا الأم.

 

مرفأ الترجمة: محاولات لنقل أفكار العالم إلينا، وفهم الآخر عبر وسيط اللغة.

 

ماذا أعدكم؟

لن يكون هذا الموقع مجرد أرشيف للماضي، بل سيكون مختبراً للحاضر. هنا سأنشر مقالاتي الحصرية، وتسجيلات "إمام كاست"، وقراءات في الكتب التي تستحق التوقف.

 

فيا أحباب..

أهلاً بكم في خيمتي الرقمية. هنا، "المعنى هو الوجهة"، والأدب هو رفيق الطريق. يسعدني أن تكون هذه البداية معكم، وبكم.