الأحد، 13 سبتمبر 2026

هل تغيير الرأي عيب؟

 


 

كثيرا ما نقرأ أو نسمع أن فلانا "غيّر رأيه"، فتتكفل وسائل التواصل بإحياء التهمة على طريقتها: مقطع قديم يُعاد نشره، تغريدة من سنوات، مقالة نُبشت من أرشيف منسي، توضع كلها جنبا إلى جنب مع موقف اليوم، وكأن المطلوب فضح صاحبها لا فهمه. وقد وجدتُ نفسي شخصياً أكثر من مرة أمام هذا الاتهام بعينه: أنت قلت كذا، وها أنت تقول عكسه، وكأن القول الأول عقد لا يجوز فسخه.

وهذه اللعبة أوضح ما تكون في السياسة: المعارض الذي أصبح موالياً، والموالي الذي أصبح معارضاً، يُقرأ تحوّله غالباً بوصفه خيانة أو انتهازية، ونادراً بوصفه أثراً لتجربة أو مراجعة حقيقية. لكن الأمر نفسه يتكرر في كل ميدان تقريباً: في الدين، حين يغيّر أحدهم مذهبه أو يخفّف من تشدده؛ وفي الأدب والنقد، حين يمدح ناقد كتابا ثم يهجوه بعد سنوات؛ وفي الفن، حين ينقلب فنان على مدرسته الأولى.
فما زلنا نتعامل بمنطق "ما زين على فم اشكر".. وفي كل هذه الحالات يُقدَّم صاحب التحول كمن ضُبط متلبساً بتناقض، لا كمن فكّر فتغيّر
.

والحقيقة أن من طبيعة قراءة الأفكار والرؤى أن تترك أثرا في قارئها. وقد يكون هذا الأثر توافقا تاما مع ما قرأ، أو توافقا جزئيا، وقد يكون خصاما حادا مع الفكرة وصاحبها. غير أن الخصومة الفكرية نفسها لا تعني بالضرورة القطيعة؛ فقد يختلف القارئ مع كتاب اختلافا شديدا، ثم يعود إليه بعد سنوات، فيكتشف فيه ما لم يره أول مرة.

فالقراءة الواعية ليست عملية استقبال ساكنة، وإنما هي اشتباك مستمر بين ما نقرأه وما نعرفه وما نعتقده وما عشناه. وكل قراءة جادة تضع شيئا جديدا في ميزان العقل، وقد ترجح كفة كانت خفيفة، أو تخفف من ثقل كفة أخرى.

ولعل هذا هو الفارق بين من يقرأ ليجمع المعلومات، ومن يقرأ ليعيد بناء نفسه.

ومن يقرأ ليعيد بناء نفسه لا يملك أن يدخل الكتاب مسلحاً بالرفض المسبق، ولا خاضعاً للتسليم الأعمى. وهذا بالضبط ما كان يراه فرنسيس بيكون، إذ رأى أن القراءة لا ينبغي أن تكون بحثا عن المخالفة والمجادلة، كما لا ينبغي أن تكون استسلاما لما يقوله الكتاب. يقول في مقاله «في الدراسات»: «لا تقرأ لتناقض وتفنّد، ولا لتصدق وتأخذ ما تقرأه مسلما به، وإنما لتزن وتتأمل»
 (Read not to contradict and confute; nor to believe and take for granted; but to weigh and consider).

 ثم يشبه الكتب بأن منها ما يُتذوق، ومنها ما يُبتلع، ومنها القليل الذي ينبغي أن يُمضغ ويُهضم.
 (Some books are to be tasted, others to be swallowed, and some few to be chewed and digested).

وهذه ربما تكون واحدة من أفضل القواعد التي يمكن أن تحكم علاقتنا بالقراءة: لا تدخل الكتاب مسلحا بالرفض، ولا تدخل إليه منزوع السلاح.

اقرأ.

ثم زن.

ثم فكر.

ثم اختلف إن وجدت سببا للاختلاف، واتفق إن وجدت سببا للاتفاق.

لكن لا تجعل موقفك الأول سجنا لموقفك الأخير.

فمع ممارسة القراءة الواعية تتشكل داخل الإنسان صيرورة فكرية متواصلة. وقد تختلف سرعة هذه الصيرورة من قارئ إلى آخر، بحسب اتساع تجربته، ونوعية ما يقرأ، ودرجة انفتاحه على الأفكار المختلفة، وقدرته على التأمل والنقد.

ومن الطبيعي، والحال هذه، أن ينتقل الإنسان من فكرة كان يدافع عنها بشدة إلى فكرة أخرى مغايرة لها بعد سنوات. وليس هذا بالضرورة اضطرابا أو تناقضا أو خفة في الموقف. قد يكون، في كثير من الأحيان، علامة على شيء أكثر نضجا: القدرة على اكتشاف الخطأ والتراجع عنه، وعلى قبول الصواب حين يظهر، حتى لو جاء من الجهة التي كنا نختلف معها.

المشكلة ليست في أن يغير الإنسان رأيه.

المشكلة أن يغير رأيه بلا سبب، أو أن يرفض تغييره ولو تغيرت الأسباب.

وهنا يحضرنا دفاع سقراط عند أفلاطون حيث كان يرى نفسه أكثر حكمة ممن يظن أنه يعرف ما لا يعرف، لأنه هو، حين لا يعرف، لا يظن أنه يعرف.

إنها فضيلة معرفية نادرة: أن تعرف حدود معرفتك.

ولذلك فإن القارئ الحقيقي لا ينبغي أن يكون شديد الولاء لآرائه القديمة لمجرد أنها آراؤه. فالآراء ليست أبناءً يجب الدفاع عنهم مهما ارتكبوا من الأخطاء، وإنما هي نتائج مؤقتة لرحلة العقل في المعرفة والتجربة.

وقد عبّر عن هذا المعنى، في سياق مختلف، ما ينسب إلى الإمام الشافعي:

كلما أدبني الدهـــ**ــــــــرُ أراني نقصَ عقلي
 وإذا ما ازددت علماً ** زادني علما بجهلي

فالإنسان كلما اتسعت دائرة ما يعرفه، اتسعت معها دائرة ما يدرك أنه لا يعرف.

وهذه الدائرة المتسعة لا تكتفي بتغيير ما نعرفه؛ إنها تغيّر الطريقة التي نُكوّن بها آراءنا من الأساس. في البداية قد نقرأ بحثا عن إجابة.

ثم نتعلم أن نقرأ بحثا عن السؤال نفسه.

ثم نتعلم، مع الوقت، أن السؤال قد يكون أهم من الإجابة، وأن بعض الإجابات التي بدت لنا نهائية في مرحلة ما ليست سوى محطة في طريق أطول.

ومن هنا تنمو الحاسة النقدية.

فالقارئ القديم قد ينبهر بالفكرة لأنها جديدة، بينما القارئ الذي راكم خبرة طويلة في القراءة يبدأ في سؤال آخر: ما مصدر هذه الفكرة؟ ما حجتها؟ ما الذي تستند إليه؟ ما الذي أغفلته؟ هل تنطبق في كل الحالات؟ هل يمكن أن يكون فيها جزء من الصواب وجزء من الخطأ؟

عند هذه النقطة تتحول القراءة من استهلاك للأفكار إلى محاكمة هادئة لها.

وهذا لا يعني أن القارئ الناضج يصبح متشككا في كل شيء. على العكس، إن كثرة القراءة الجادة قد تمنحه قدرة أفضل على التمييز بين ما يستحق الثقة وما يستحق التحفظ، وبين ما ينبغي قبوله وما ينبغي مناقشته.

ولذلك فليست كثرة الكتب وحدها هي التي تصنع قارئا جيدا.

يمكن لإنسان أن يقرأ مئات الكتب ويبقى أسير أول فكرة آمن بها، ويمكن لآخر أن يقرأ عددا أقل، لكنه يقرأ ببطء، ويفكر، ويقارن، ويراجع، ويعيد النظر.

القراءة التي لا تغير في صاحبها شيئا قد تكون مجرد تراكم للمعلومات.

أما القراءة التي تغير طريقة نظره إلى الأشياء، فهي تربية للعقل.

وربما لهذا كان الشاعر الإنكليزي ألفرد تنيسون يقول
 
Let knowledge grow from more to more

أي: دع المعرفة تنمو من مزيد إلى مزيد.

المعرفة هنا ليست خزانا يمتلئ ثم يغلق صاحبه بابه. إنها شيء ينمو، ومع نموها تتغير علاقتنا بما كنا نظنه يقينا.

وقد يكون أجمل ما يصل إليه القارئ بعد سنوات من القراءة أنه لم يعد بحاجة إلى أن ينتصر في كل نقاش.

يكفيه أحيانا أن يقول: كنت أظن ذلك، ثم قرأت، وفكرت، وتغير رأيي.

وهذه ليست هزيمة.

إنها إحدى صور الانتصار النادرة التي لا تحتاج إلى خصم.

فالعقل الجامد يظل وفيا لماضيه ولو خانه الدليل، والعقل السائل يراجع نفسه كلما اتسعت رؤيته. وبين الجمود والسيولة توجد منزلة أظنها أكثر إنسانية واتزانا: أن تكون لك مواقف، لكن أن تترك لها بابا مفتوحا للمراجعة.

أن تعرف ما تعتقده، ولماذا تعتقده، وأن تكون مستعدا، إذا ظهرت لك حجة أقوى، لأن تقول ببساطة:

كنت مخطئا.

ثم تمضي.

فالقارئ، في نهاية الأمر، لا يقرأ الكتب فقط.

إنه يقرأ نفسه بينها.

ومع كل كتاب جيد، وكل فكرة جديدة، وكل خلاف فكري صادق، يعيد كتابة شيء من هذه السيرة الداخلية.

ولهذا فإن القارئ بعد عشرين عاما من القراءة الجادة لا ينبغي أن يكون هو الشخص نفسه الذي فتح كتابه الأول.

لو ظل كذلك، فإنه ما قرأ كتابا في حياته مهما بلغ عدد الصفحات التي مرّ عليها.

محمد ولد إمام

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

عشر سنوات في الجزيرة: ماذا تفعل الكلمة بصاحبها؟

محمد ولد إمام.. الجزيرة Mohamed Ould Imame Al Jazeera


في مثل هذا اليوم من سبتمبر 2016، بدأت فصلا جديدا من حياتي المهنية، حين دخلت أروقة شبكة الجزيرة وكنت من الجيل المؤسس للجزيرة بلس عربي.

اليوم، بعد عشر سنوات كاملة، أجدني أتوقف قليلا أمام الرقم.

عشر سنوات تبدو، حين نقولها هكذا، مدة طويلة. لكنها حين تعاش يوما بيوم، بين خبر عاجل ونص يحتاج إلى مراجعة، وترجمة تحتاج إلى أن تبحث عن المعنى قبل اللفظ، ومادة تمر أمام عين المحرر لتخرج إلى الجمهور في أفضل صورة ممكنة، تبدو كأنها مرت على عجل.

كانت السنوات العشر الماضية رحلة في مهنة الكلمة، بكل ما تحمله الكلمة من مسؤولية.

في الصحافة، لا يكفي أن تعرف اللغة. عليك أن تعرف متى تكون الكلمة دقيقة، ومتى تكون زائدة، ومتى يمكن أن تغير كلمة واحدة معنى الجملة كلها. وعليك أن تتعلم أن وراء كل خبر إنسانا، ووراء كل رقم قصة، ووراء كل صياغة مسؤولية.

وهذا ربما كان أهم ما تعلمته في الجزيرة: أن التحرير ليس تصحيحا للنص فحسب، وأن اللغة ليست زينة تضاف إلى الخبر. إنها جزء من صناعته.

خلال هذه السنوات، مررت بأحداث وأخبار وقصص كثيرة، وبعضها كان من تلك اللحظات التي يشعر فيها الصحفي أنه لا يلاحق التاريخ فحسب، بل يقف قريبا منه وهو يتشكل.

لكنني، في نهاية الأمر، أعود دائما إلى التفاصيل الصغيرة.

إلى جملة أُعيدت صياغتها حتى استقامت.

إلى كلمة حُذفت لأنها لم تكن ضرورية.

إلى مصطلح احتاج إلى بحث طويل قبل أن نطمئن إلى دقته.

إلى ترجمة كان علينا أن نجد فيها ما يقابل روح النص، لا قاموسه فقط.

وإلى زميل علمني شيئا من دون أن يقصد، أو مدير منحني فرصة، أو صديق جعل يوما ثقيلا أخف وطأة.

لهذا لا أرى السنوات العشر مجرد سنوات عمل.

لقد كانت سنوات تعلم.

تعلمت فيها من اللغة، ومن الأخبار، ومن الناس، ومن الأخطاء، ومن ضغط الوقت، ومن اختلاف وجهات النظر، ومن تلك القاعدة التي تبدو بسيطة لكنها ليست كذلك: أن تحاول كل مرة أن تجعل النص أفضل مما وجدته.

وأنا اليوم، بعد عقد كامل، أكثر اقتناعا بأن مهنة الإعلام، مهما تغيرت أدواتها، ستظل في جوهرها مهنة إنسانية تقوم على سؤال قديم: كيف نقول للناس ما يحدث، بصدق ودقة ومسؤولية؟

الجزيرة نفسها تغيرت خلال هذه السنوات، كما تغيرت صناعة الإعلام والعالم من حولها. لكن بعض الأشياء بقيت ثابتة: قيمة الدقة، واحترام الجمهور، والحاجة إلى التعلم المستمر، والإيمان بأن للكلمة أثرا يتجاوز اللحظة التي كتبت فيها.

أنا، قد تغيرت أيضا.

دخلت الجزيرة وأنا أحمل معي سنوات من العمل مع اللغة والترجمة والصحافة، لكنني أخرج من كل يوم فيها بشيء جديد. وربما هذه أجمل ميزة في مهنة لا تسمح لك بأن تدعي أنك وصلت.

عشر سنوات مضت.

لا أحتفل اليوم بالمدة وحدها، بل بما صنعته المدة في داخلي: خبرة أكثر، أسئلة أكثر، تواضع أكثر أمام اللغة، وامتنان أكبر لكل من مر في هذه الرحلة.

شكرا لكل زميل شاركني يوما من هذه السنوات، ولكل أستاذ أو مدير أو صديق تعلمت منه، ولكل من جعل هذه الرحلة أكثر إنسانية.

أما السنوات القادمة، فلا أعرف بالضبط ماذا تحمل.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

ما زلت أحب الكلمة.

وما زلت أتعلم كيف أقولها.


الأربعاء، 26 أغسطس 2026

من الطب إلى التدريب.. درس في الذكاء العاطفي مع الدكتور نادر العدوي

 

شهادة الذكاء العاطفي.. محمد ولد إمام.

أتممت اليوم في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، امتدت على مدى ثلاثة أيام، في تجربة أخرجتني من إطار التعلم المهني المعتاد إلى مساحة أوسع تتصل بالإنسان نفسه: كيف نفهم مشاعرنا، وكيف نديرها، وكيف نفهم الآخرين ونتعامل معهم بوعي أكبر.

لكن أجمل ما في الدورات التدريبية، في رأيي، ليس ما تتركه في دفاتر الملاحظات، بل ما تتركه في طريقة النظر إلى الأشياء والناس.

وكان من حسن حظي أن يكون مدرب الدورة الدكتور نادر. وهو طبيب متخصص في أمراض الصدر، لكنه اختار في مرحلة ما أن يتبع شغفا آخر، فانتقل من الطب إلى التدريب، ومن معالجة الجسد إلى الاشتغال على الإنسان من زاوية أخرى.

ولعل الطريف في الأمر أن الدكتور نادر لم يترك روح الطبيب تماما. كان يفكك السلوك الإنساني كما لو أنه يفحص حالة سريرية، ويبحث عن أسبابها وأعراضها وطرق التعامل معها، لكن بخفة ظل جعلت الأيام الثلاثة تمر أسرع مما ينبغي.

شكرا للدكتور نادر على علمه وخبرته وروحه المرحة، وعلى قدرته على تحويل المادة التدريبية إلى تجربة إنسانية لا إلى مجموعة من التعريفات والنظريات.



والشكر موصول إلى معهد الجزيرة للإعلام على هذه الفرصة، وعلى بيئة التعلم التي يوفرها، وعلى اهتمامه المستمر بتطوير العاملين في المجال الإعلامي ومساعدتهم على اكتساب مهارات تتجاوز حدود المهنة نفسها.

أما الزملاء الذين جمعتني بهم هذه الدورة، فلهم شكر خاص. بعض أجمل ما خرجت به من هذه الأيام لم يكن في الشرائح التدريبية، بل في النقاشات الجانبية، والأسئلة، والتجارب التي تبادلناها، وفي تلك المعرفة العابرة التي قد تبدأ في قاعة تدريب وتنتهي بصداقة أو فكرة أو زاوية جديدة للنظر إلى الحياة.

ثلاثة أيام، و21 ساعة تدريبية، وشهادة أضيفها إلى ملفي المهني.

لكن القيمة الحقيقية ليست في الورقة.

القيمة في أن يعود الإنسان من دورة كهذه وهو أكثر انتباها إلى نفسه، وأكثر فهما للآخرين، وأقل استعجالا في الحكم عليهم.

وهذا، في النهاية، أحد أجمل وجوه التعلم: أن تتعلم شيئا عن نفسك وأنت تظن أنك جئت لتتعلم شيئا عن موضوع آخر.




الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

السُّبَاء.. حين لا يجد الخرابُ ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

 




السُّبَاء... حين لا يجد الخراب ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

هناك كتب تخرج من المطابع، وكتب تخرج من أصحابها.

ديوان المختار السالم الجديد «السُّبَاء» من النوع الثاني.

ليس لأنه ديوان جديد في مسيرة شاعر أصدر حتى الآن خمسة وعشرين كتابا، فالكثرة لا تصنع شاعرا، كما أن قلة الكتب لا تنفيه. وإنما لأن المختار السالم اختار هذه المرة أن يضع قصيدته كلها في مجرى واحد: قصيدة واحدة من شعر التفعيلة، تمتد على 254 صفحة.

وهذا، في حد ذاته، رهان.

فالقصيدة القصيرة تستطيع أن تختبئ وراء اللمعة. أما القصيدة الطويلة فلا ينجو فيها الشاعر إلا إذا كان لديه ما يقوله، ولديه أيضا ما يكفي من اللغة كي لا يتحول القول إلى ثرثرة موزونة.

وعنوان الديوان «السُّبَاء» ليس بريئا.

السُّباء، في العربية، هو ما يحمله السيل من مكان إلى مكان.

كأن الشاعر ينظر إلى عالمنا العربي فيرى شيئا يشبه ذلك: أشياء كانت لها أسماء وأمكنة وذاكرة، ثم جاء السيل، فحملها زبدا رابيا.

لكن المختار السالم لا يقف على الضفة ليعد ما جرفه الماء.

إنه يدخل السيل.

وهنا يبدأ الشعر.

فالقصيدة عنده ليست منشورا سياسيا مقنعا، ولا مرثية طويلة لزمن عربي مثخن بالجراح. إنها محاولة لأن تجعل اللغة نفسها تقاوم ما يحدث للإنسان.

ولهذا لفتتني عبارة الدكتور بدي أبنو المرابطي في مقدمته، حين يرى أن القصيدة لا تأتي لتضمد الجراح، وإنما «لتصوغ لها أفقا ملحميا».

هذه نقطة مهمة.

الشعر ليس طبيبا دائما.

أحيانا يكون شاهدا.

وأحيانا يكون متهما.

وأحيانا، في لحظاته النادرة، يصبح سلاحا لا يقتل أحدا، لكنه يمنع اللغة من الاستسلام.

والمختار السالم يعرف أن اللغة حين تكرر نفسها تموت قليلا. لذلك يذهب بها إلى حافتها، يناور المألوف، يخلخل القاموس، ويترك الموسيقى تحمل المعنى إلى منطقة لا يصل إليها الكلام العادي.

ومن أجمل ما في الديوان، في ظني، أنه لا يتوسل إلى القارئ.

لا يقول له: تعاطف معي.

بل يقول له: ادخل هذا الخراب، وانظر.

«من بعد كل الكلام، وكل الظلام، وما أكل الوحش والفحش، أضحى لزاما على النجم أن يولدا».

هذا هو الشعر الذي يعجبني.

الشعر الذي لا ينكر الظلام، لكنه يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.

والأجمل أن «السُّبَاء» نفسه، بوصفه ما يحمله السيل، ينقلب في نهاية المطاف إلى صورة أخرى: ربما لا يكون الإنسان مجرد حطام تحمله المياه. ربما يستطيع، وهو في قلب التيار، أن يصنع من اندفاعه قصيدة.

خمسة وعشرون إصدارا ليست مجرد محطة في سيرة شاعر. إنها مسافة طويلة قطعها المختار السالم في أرض الشعر، وما يزال يغامر.

وهذا هو المهم.

فالشاعر الحقيقي لا يكرر نجاحه.

إنه يخاطر به.

مبارك للصديق المختار السالم «السُّبَاء»، ومبارك للشعر الموريتاني هذه المغامرة.

أما القصيدة نفسها، فلا أدري إلى أين ستأخذ قارئها.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

 هو أن بعض القصائد نقرأهاوبعض القصائد تحملنا.

وهذا الديوان يبدو من النوع الذي لا يتركك على الضفة.


محمد ولد إمام. 25.08.2026..

 الدوحة، قطر.


الاثنين، 24 أغسطس 2026

شهادة إدارة المشاريع من معهد الجزيرة للإعلام، project management

 



في إدارة المشاريع... حتى الكلمات تحتاج إلى مدير

أحيانا نتعلم شيئا جديدا لا لأننا نريد أن نغير مهنتنا، بل لأننا نريد أن نفهم مهنتنا القديمة على نحو أفضل.

خلال الأيام الماضية أنهيت في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في إدارة المشاريع، وحصلت في ختامها على شهادة إتمام الدورة.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، خارج السياق قليلا بالنسبة إلى عملي الذي يدور منذ سنوات حول اللغة والتحرير والترجمة والكتابة. فما علاقة إدارة المشاريع بالكلمة والجملة والنص؟

لكنني كلما فكرت في الأمر وجدت العلاقة أوثق مما تبدو.

فالعمل الذي نطلق عليه أحيانا «كتابة» أو «ترجمة» ليس في الحقيقة كتابة وترجمة فقط. وراء المادة الجيدة سلسلة طويلة من المهام والمواعيد والمراحل والقرارات والأشخاص. هناك فكرة تبدأ، وبحث ينبغي أن يكتمل، ومسودة أولى، ومراجعات، وملاحظات، وتعديلات، وتدقيق، واعتماد، ثم نشر. وفي المشاريع الأكبر تتسع الدائرة أكثر، حتى يصبح نجاح المنتج النهائي مرهونا بقدرتنا على إدارة الطريق المؤدي إليه، لا بجودة الخطوة الأخيرة وحدها.

وقد يكون هذا أحد الأشياء التي نكتشفها متأخرين في حياتنا المهنية: أن الموهبة لا تكفي دائما.

يمكن للكاتب أن يكون صاحب أسلوب جميل، لكنه يسلّم متأخرا. ويمكن للمترجم أن يكون دقيقا جدا، لكنه لا يحسن تقدير الوقت الذي يحتاجه العمل. ويمكن لفريق كامل أن يضم أشخاصا أكفاء، ثم يفشل المشروع لأن الأدوار لم تكن واضحة، أو لأن الأولويات اختلطت، أو لأن أحدا لم ينتبه إلى المخاطر إلا بعد وقوعها.

وهنا تدخل إدارة المشاريع، لا بوصفها مجموعة مصطلحات إدارية باردة، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:

ماذا نريد أن ننجز؟

كيف سننجزه؟

من سيفعل ماذا؟

متى يجب أن يحدث ذلك؟

ما الذي يمكن أن يعطلنا؟

وماذا سنفعل عندما يحدث؟

ربما لهذا السبب وجدت الدورة أقرب إلى حياتي المهنية مما توقعت.

فالكتاب مشروع.

والمقال مشروع.

والترجمة مشروع.

والبودكاست مشروع.

وحتى الفكرة التي تظل في الرأس سنوات من دون أن تتحول إلى نص يمكن النظر إليها بوصفها مشروعا لم تُحسن إدارته بعد.

وأظن أن المشكلة التي تواجه كثيرا من أصحاب المشاريع الإبداعية ليست نقص الأفكار، وإنما فائضها.

الفكرة الجديدة تأتي بسهولة، بينما يحتاج تحويلها إلى عمل مكتمل إلى شيء أكثر قسوة: تحديد الهدف، وتقليص المشتتات، وتقسيم العمل إلى مراحل، والالتزام بموعد، وقبول أن النسخة الأولى لن تكون مثالية، ثم الاستمرار حتى النهاية.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من إدارة المشاريع هو أن المشروع لا ينجح لأننا «نشعر» بأنه سينجح، وإنما لأننا نحوله من فكرة غامضة إلى سلسلة من الأعمال الواضحة.

وهذا درس يتجاوز الإدارة إلى الكتابة والحياة نفسها.

كثير من الأشياء التي نحلم بها لا تحتاج، في بدايتها، إلى مزيد من الإلهام. تحتاج إلى خطة.

ومزيد من الأشياء لا تتعثر لأننا لا نملك القدرة عليها، وإنما لأننا لم نعرف كيف نقسمها إلى خطوات صغيرة يمكن إنجازها.

من هذه الزاوية، لم تكن دورة إدارة المشاريع بالنسبة إليّ مجرد دورة إضافية أضعها في ملف مهني أو شهادة أخرى أضيفها إلى سيرتي الذاتية.

كانت تذكيرا بشيء أعرفه نظريا، وأحتاج إلى أن أتذكره عمليا:

أن الفكرة الجميلة لا تصبح إنجازا إلا عندما تجد طريقها من الرأس إلى الورق، ومن الورق إلى خطة، ومن الخطة إلى عمل، ومن العمل إلى نهاية.

ولعل هذا ينطبق على الكلمات أيضا.

فنحن نميل إلى الاحتفاء بالكلمة حين تصل إلى صورتها الأخيرة، وننسى الطريق الطويل الذي قطعته قبل أن تصل إلينا.

وهذا يعيدني، بطريقة ما، إلى الشيء الذي ما زلت أجد نفسي أكثر انشغالا به: اللغة.

فحتى الكلمات لديها مشاريعها الخاصة.

لكل كلمة بدايتها، ومراحل تطورها، ومنعطفاتها، ومخاطرها، وأحيانا نهايتها.

وبعض الكلمات تنجح في إدارة مشروعها التاريخي، فتعمر قرونا طويلة، وبعضها يفشل في منتصف الطريق، وبعضها يغيّر اسمه ومعناه بالكامل ثم يعود إلينا بعد مئات السنين وكأن شيئا لم يحدث.

ربما لهذا لا أرى أن تعلم مجال جديد يعني دائما الابتعاد عن مجالنا الأصلي.

أحيانا نحتاج إلى أن نخرج خطوة واحدة من تخصصنا حتى نراه بوضوح أكبر.

وهذا ما أرجو أن تكون هذه الدورة قد أضافته إليّ: ليس مهنة جديدة، وإنما طريقة أفضل في النظر إلى المهنة التي أمارسها منذ سنوات.

شهادة جديدة، إذن، نعم. لكن الأهم منها ربما سؤال جديد: ما المشاريع التي ينبغي أن أبدأ في إدارتها فعلا؟

وقد يكون أولها تلك الأفكار الكثيرة التي ظلت طويلا تنتظر دورها.
محمد ولد إمام

الاثنين، 10 أغسطس 2026

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقالي الجديد على الجزيرة]

 

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقال محمد ولد إمام الجديد على الجزيرة]


هل سبق لك أن تعلمت لغة جديدة واكتشفت بعد فترة أنك لم تكتسب كلمات جديدة فحسب، بل بدأت ترى العالم بطريقة مختلفة تماماً؟

كثيراً ما نتوهم أننا نستخدم اللغة كأداة مجردة نخرجها حين نريد التعبير ثم نعيدها إلى مكانها. لكن الحقيقة هي أننا قبل أن نتكلم باللغة، تكون هي قد تكلمت بنا وشكّلت حدود وعينا وإدراكنا للوجود.

في مقالي الأخير المنشور على الجزيرة نت، أتطرق إلى هذه العلاقة المركبة بين اللسان والعقل، ونناقش من خلال مقولة الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين: "حدود لغتي تعني حدود عالمي":

  • كيف تجعلنا اللغة نرى ما لا نراه في غياب المفردة؟

  • لماذا تملك بعض اللغات مفردات دقيقة لمشاعر أو حالات طبيعية لا نجد لها مقابلاً في لغات أخرى؟

  • وكيف تشكل الشبكة المفهومية للغتك طريقة تفكيرك ورؤيتك لذاتك وللعالم من حولك؟

📌 لقراءة المقال كاملاً على موقع الجزيرة نت عبر الرابط التالي: https://aja.ws/b5g54e

💡 أتطلع لمعرفة آرائكم وانطباعاتكم في التعليقات: هل شعرت يوماً أن لغة أخرى أتاحت لك رؤية جانب جديد من شخصيتك أو من العالم؟

الاثنين، 20 يوليو 2026

معنى الحياة!

 

قرأت في رواية تشاييم بوتوك (The Chosen) أو المختار، هذا الاقتباس الرائع:

"إن البشر لا يعيشون إلى الأبد يا روبين.. حياتنا أقصر من طرفة عين إذا ما قيست بالأبدية. لذلك قد يتساءل المرء: ما قيمة الحياة الإنسانية إذن؟ ولماذا كل هذا الألم في العالم؟ ما معنى كل هذه المعاناة، إن كانت أسرار وجودنا لا تتعدى مجرد أمد خاطف؟

لقد تعلمتُ منذ زمن بعيد أن "طرفة العين" في ذاتها لا تساوي شيئاً.. لكن "العين التي تطرف"، تلك هي الجوهر. عمر الإنسان مجرد رقم خاطف، لكن "الإنسان الذي يعيش هذا العمر" هو الكائن الذي يعني كل شيء.

بإمكانه أن يملأ تلك اللحظة العابرة بالمعنى، لتصبح قيمتها لا تُقاس، حتى وإن كانت مدتها لا تُذكر. على المرء أن يصنع لمعنى حياته وجوداً، فالمعنى ليس هبة مجانية تُمنح لنا مع الميلاد.

إن ملء الحياة بالمعنى جهادٌ شاق—وهو أمر لا أظنك أدركته تماماً بعد. الحياة المليئة بالمعنى هي الوحيدة التي تستحق الراحة بعد الرحيل.. وأنا أريد أن أكون جديراً بتلك الراحة حين لا أعود هنا."

—

قلتُ إن الإنسان، وهو يقيس عمره بعمر الجبال أو النجوم، ربما يخيل إليه أنه لم يُمنح سوى لمحة من الوقت. ومن هنا ينشأ السؤال الذي لم يفارق الفلاسفة والشعراء منذ آلاف السنين: إذا كانت الحياة بهذه القِصَر، فلماذا نحمّلها كل هذه الأحلام، وكل هذا السعي، وكل هذا الألم؟

لكن السؤال قد يكون مضللاً منذ البداية، لأنه يفترض أن قيمة الشيء تُقاس بامتداده في الزمن. ونحن نعرف أن هذا ليس صحيحاً. فالبرق لا يلبث في السماء إلا لحظة، ومع ذلك يشق الليل كله. وكلمة واحدة قد تغيّر مصير إنسان، بينما تعجز سنوات من الصمت عن أن تفعل شيئاً. ليست المدة هي التي تمنح الأشياء قيمتها، وإنما ما يحدث خلالها.

لهذا لا أظن أن المأساة الكبرى هي أن أعمارنا قصيرة، بل أن كثيراً منها يضيع في حياة مؤجلة. نؤجل الكتب التي أردنا قراءتها، والكلمات التي كان ينبغي أن نقولها، والأحلام التي ظننا أن لها موعداً آخر. نعيش كأن الزمن يدين لنا بالمزيد، مع أنه لا يعد أحداً بشيء.

ولعل المعنى نفسه لا ينتظرنا في نهاية الطريق حتى نعثر عليه، بل يتشكل تحت أقدامنا ونحن نسير. ليس شيئاً نكتشفه دفعة واحدة، وإنما شيء نصنعه بقراراتنا الصغيرة، بطريقة نظرنا إلى العالم، وبما نمنحه من وقت واهتمام وحب. وقد يعيش إنسان ثمانين عاماً دون أن يبني معنى واحداً، بينما يترك آخر، في عمر أقصر، أثراً يبقى بعد غيابه بسنين طويلة.

لهذا لا يبدو السؤال الأهم: كم بقي لنا من العمر؟ بل: ماذا سنضع في هذا العمر قبل أن ينقضي؟ فما يبقى من الإنسان ليس عدد السنوات التي عبرها، وإنما مقدار الحياة التي استطاع أن يسكبها في تلك السنوات.

ربما لهذا تبدو الراحة التي يتحدث عنها بوتوك في نهاية الاقتباس استحقاقاً أخلاقياً أكثر منها نهاية بيولوجية. فالراحة الحقيقية ليست أن تتوقف الحياة، بل أن تستطيع، عندما تلتفت إلى الوراء، أن تقول: لم يكن وجودي مجرد عبور، بل كان إضافة، ولو كانت صغيرة، إلى هذا العالم.

فالخلود الذي يحلم به البشر ليس امتدادا للزمن، لكنه امتداد للمعنى.

محمد ولد إمام.

الخميس، 4 يونيو 2026

من نافذة الحرف إلى فضاء التواصل المهني: جسر جديد عبر "لينكد إن"

محمد ولد إمام على منصة لينكد إن، Mohamed Ould Imame on LinkedIn



الكلمة هي جسري الأول الممتد نحو العالم. عبر صفحات الكتب، وقصائد الشعر، ومقالات الرأي، حاولت دائماً أن أنسج حواراً هادئاً وعميقاً مع القارئ، باحثاً عن المعنى خلف الكلمات، ومحاولاً أرشفة الحياة بين السطور.

اليوم، وفي ظل التشابك المعرفي والتكنولوجي الذي نعيشه، أدركت أن الحرف لا يجب أن يظل حبيس الأوراق أو زوايا المواقع الإخبارية فقط، بل يجب أن يمتد ليصافح العقول المهنية، ويفتح نوافذ جديدة لتبادل الأفكار والخبرات. من هذا المنطلق، يسعدني أن أعلن عن إطلاق وتوثيق مساحتي المهنية الرسمية عبر منصة "لينكد إن".

لم تكن خطوة الانضمام إلى هذه المنصة مجرد تسجيل روتيني، بل هي محاولة لجمع شتات الهوية الرقمية في مكان واحد؛ ففي هذه المساحة، تلتقي إصداراتي الأدبية مثل "أنخاب الأصائل" و"كشكول الحياة"، مع مسيرتي الصحفية والترجمية، وتتقاطع مع تجاربي في صناعة المحتوى الصوتي والمرئي عبر "إمام كاست".

عبر هذه النافذة الجديدة، أتطلع إلى:

  • بناء شبكة تواصل أعمق: مع الزملاء من الكتاب، والباحثين، وصناع المحتوى، والمؤسسات الثقافية والإعلامية.

  • مشاركة كواليس العمل المعرفي: تسليط الضوء على الجانب المهني من الترجمة، والبحث العلمي، وتحديات النشر، وصناعة البودكاست.

  • تبادل الرؤى: حول مستقبل الأدب والصحافة في العصر الرقمي، وكيف يمكن للثقافة أن تجد لنفسها مكاناً وسط زخم التكنولوجيا.

أدعو كل زميل وقارئ ومهتم بالشأن الثقافي والإعلامي لمرافقتي في هذه المساحة الجديدة، لنصنع معاً حواراً مهنياً يثري العقل ويحتفي بالمعرفة.

[زر أو رابط: تفضلوا بزيارة ملفي المهني على لينكد إن من هنا]

الخميس، 14 مايو 2026

الانسحاب بصمت!

 



 متى يكون انسحابنا من العلاقات ارتقاءً وليس خسارة؟

هناك نسخة منك ماتت منذ سنوات ولم يخبرك أحد بذلك؛ نسخةٌ ما زلت تحمل جثتها على كتفيك ظناً منك أنها هويتك، بينما وزنها يسحقك ببطء. لقد كذبوا علينا حين أوهمونا أن النهايات يجب أن تكون صاخبة، وأن فقدان الأشخاص هو دائماً مأساة تستوجب الرثاء. لكن الحقيقة التي نتعلمها بعد أن نُفرغ أكواب طاقتنا في أوعية مثقوبة، هي أن أعمق التحولات في حياتنا، وأصدق النهايات، تحدث في صمت تام.

الرحيل الصامت: حين تنتهي الفصول لا تلاحظ عادةً متى يتحول شخص مألوف إلى غريب. الأمر لا تسبقه إعلانات ولا ترافقه دراما أو انقطاع حاد. في يوم من الأيام، ترفع رأسك لتجد أن صديقك المقرب بات يحمل معتقدات مختلفة تماماً، أو أن شخصاً عزيزاً أصبح وكأنه قريب بعيد لا يربطك به سوى التاريخ المشترك.

لقد جرفكم التيار بعيداً، أو ربما انحسرت مياهه. وبحلول الوقت الذي تدرك فيه ذلك، تكونان قد أصبحتم على ضفتين متباعدتين. نحن نخسر من العلاقات لحساب "الصمت" أكثر بكثير مما نخسره لحساب "الخلافات". فالشجار على الأقل يمنحك مادة للإصلاح، أما الصمت فيذيب العلاقات ببطء كما يذوب السكر في الماء.

وهنا يكمن الجزء الذي لا يتحدث عنه أحد: في بعض الأحيان، هذا أمر طبيعي ومقبول. لسنا مجبرين على الاحتفاظ بكل شخص في كل فصل من فصول حياتنا بدافع الشعور بالذنب أو الحنين. بعض الناس هم "شخصيات مرحلية"؛ يعلمونك الدرس الذي كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة، ثم يغادرون المسرح بهدوء. محاولة إجبارهم على البقاء حين يصبح التواصل أشبه بـ "وظيفة شاقة" هو ظلم للنفس ولهم.

وقد أدرك الإمام الشافعي هذه الحقيقة مبكراً، فصاغ قاعدة ذهبية في التخلي عن العلاقات التي تفقد عفويتها وتصبح عبئاً يُؤدى بالتكلف، فقال:

إذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ
وفي القَلْبِ صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ جَفا

لذا، عندما يخبرك جسدك بأن التفاعل بات قسرياً، فلك خياران: إما أن تستمر في سحب جثة وتسميها "صداقة"، أو أن تفلتها بامتنان وتمضي للأمام بخفة. وكما قال أبو الطيب المتنبي في وصف انسحاب النفس التام إذا ما عافت شيئاً:

إذا انصَرَفَتْ نَفسي عَنِ الشّيءِ لَم تَكَدْ
إلَيهِ بوَجْهٍ آخَرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ

الوهم المسمى "وحدة" والكنز المسمى "عزلة" من أكبر الأكاذيب التي نصدقها هي الخلط بين "الوحدة" و"العزلة". الوحدة هي أن تكون محاطاً بالبشر لكن لا أحد منهم يراك حقاً. أما العزلة (الخلوة)، فهي أن تكون بمفردك، وتتمكن أخيراً من التنفس.

في صخب الحياة، نملأ كل فراغ بالضجيج والخطط والناس، لأن الصمت يعني مواجهة أسئلة نتهرب من إجابتها. لكن الأشياء التي تتجنبها في الصمت لا تختفي، بل يرتفع صوتها. في العزلة تكمن الرؤية الواضحة؛ هناك فقط يمكنك أن تسمع ما تفكر فيه حقاً، لا ما يُملى عليك. عندما تجلس بهدوء، تتوقف عن طلب الإذن لتكون ما أنت عليه بالفعل، وتتوقف عن تبرير حدودك لمن لا يستوعبونها.

العزلة ليست ابتعاداً عن الناس بقدر ما هي اتصال أعمق بالنفس. وفي هذا المعنى الجليل، يقول الشاعر واصفاً حلاوة الخلوة والانسحاب من ضجيج العلاقات الزائفة:

وقد ذُقْتُ طَعْمَ العَيْشِ في كُلِّ حالَةٍ
فما ذُقْتُ أهْنَا من خُمُولٍ ووِحْدَةِ 

دائرة تضيق ليتسع المعنى مع مرور السنوات، تصبح الحياة أكثر هدوءاً. ليس لأنها أفرغت من محتواها، بل لأنك توقفت عن حشوها بالضجيج. تتوقف عن الشرح، عن أداء الأدوار، وعن التظاهر. ما يتبقى لك يصبح أقل، ولكنه حقيقي. والحقيقي هو وحده ما يصمد.

سيكون لديك أصدقاء أقل، لكنهم يعرفونك حقاً. التزامات أقل، لكنها تهمك حقاً. كلمات أقل، لكنها تعني شيئاً بالفعل. هذا ليس خسارة، بل هو "تنقية". أنت لا تتضاءل، بل تصبح أكثر وضوحاً. وبمجرد أن تتضح لك الأشياء التي تهمك، يصبح كل ما عداها مجرد ضجيج تنفضه عنك بيقين هادئ.

محمد ولد إمام

الخميس، 30 أبريل 2026

جسر جديد نحو القارئ: أرحب بكم في صفحتي الرسمية على "غودريدز"

 

صفحة محمد ولد إمام على غودريدز


من يكتب، إنما يمد يده في الظلام آملاً أن يجد يداً أخرى تصافح أفكاره. ولأن القراءة هي النصف الآخر لعملية الإبداع، كان لزاماً عليّ ككاتب وشاعر أن أتواجد حيث يتواجد القراء بشغفهم ونقاشاتهم.

يسعدني أن أعلن لقراء موقعي الكرام عن توثيق حسابي الرسمي كـمؤلف (Goodreads Author) على شبكة "غودريدز" العالمية؛ المنصة الأكبر والأهم التي تجمع ملايين القراء والكُتاب من مختلف الثقافات.

لماذا غودريدز؟ لم تعد العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة اتجاه واحد تنتهي بمجرد طباعة الكتاب. منصة غودريدز تتيح لي نافذة تفاعلية حية، حيث تم إدراج جميع أعمالي المطبوعة عبر السنوات، بدءاً من ديواني الأول "وحي الفجر" (2005)، والعمل النثري "كشكول الحياة"، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" (2024).

من خلال هذه المنصة، يمكنكم:

الاطلاع على تفاصيل كل كتاب والنبذة الخاصة به.

إضافة الكتب التي ترغبون في قراءتها مستقبلاً إلى قوائمكم الخاصة.

كتابة مراجعاتكم وانطباعاتكم بكل حرية، فالنقد هو ما يصقل تجربة الكاتب.

متابعة التحديثات والنقاشات حول الإصدارات القادمة.

ورغم اعتزازي البالغ بهذا الموقع (mohamedimame.com) كمركز رئيسي لنشر مقالاتي وتدويناتي، إلا أن "جودريدز" يظل هو "المكتبة العالمية" التي تضع الكتاب الموريتاني والعربي في قلب المشهد القرائي العالمي.

أدعوكم بحب للانضمام إلى هذه المنصة، ومتابعة حسابي عبر الرابط التالي، لنجعل من القراءة جسراً لا ينقطع بين الأرواح:

🔗 [اضغط هنا لزيارة صفحة المؤلف محمد ولد إمام على جودريدز]

ألقاكم هناك، بين رفوف الكتب ومحاريب الكلمة.

الاثنين، 27 أبريل 2026

مؤلفاتي الآن أقرب إليكم: إطلاق صفحتي الرسمية على متجر "أمازون" العالمي

كتب محمد ول إمام على أمازون
 

في مسيرة أي كاتب، يمثل التغلب على حدود الجغرافيا وتحديات التوزيع والشحن الهاجس الأكبر. فالكلمة التي تُكتب في انواكشوط أو الدوحة، تطمح دائماً لأن تجد قارئها في كل بقعة من هذا العالم.

استجابةً لطلبات القراء والأصدقاء الكرام المقيمين خارج الوطن العربي أو في دول قد لا تصلها دور النشر والتوزيع التقليدية بسهولة، يسعدني الإعلان عن تجميع كافة إصداراتي ضمن صفحتي الرسمية كـ "مؤلف" على شبكة أمازون (Amazon).

ماذا تعني صفحة المؤلف على أمازون؟ تمثل هذه الصفحة منصة عالمية تتيح للقارئ:

الطلب المباشر: طلب النسخ الورقية المطبوعة لتصل إلى باب منزله في أي دولة تدعم شحن أمازون.

القراءة الفورية: الحصول على النسخ الإلكترونية وقراءتها مباشرة عبر أجهزة وتطبيقات (Kindle).

المتابعة: الضغط على زر (Follow) داخل الصفحة ليقوم المتجر بإرسال تنبيه مباشر للقارئ فور صدور أي كتاب جديد لي مستقبلاً.

تضم الصفحة حالياً أبرز محطاتي الأدبية (مثل: ديوانا الفجر والمساء)، وسيتم تحديثها باستمرار لتشمل كل جديد.

أدعوكم لزيارة الواجهة الجديدة عبر الرابط التالي: 🔗 [صفحة المؤلف محمد ولد إمام على متجر أمازون]

لا غنى للكاتب عن قرائه، فبكم يكتمل المعنى، وبدعمكم تستمر الرحلة.

الاثنين، 20 أبريل 2026

قصائد مختارة على صفحتي على موقع الديوان

صفحة محمد ولد إمام على موقع الديوان





 في عالمنا الرقمي المتسارع، يظل التوثيق هو الحارس الأمين للمنجز الأدبي. ومن هذا المنطلق، يسعدني الإعلان عن إتاحة أرشيفي الشعري كاملاً لجمهور القراء والباحثين عبر منصة "الديوان"؛ الموسوعة التي تجمع شتات القصيد العربي وتضعه في متناول المتذوقين.

إن وجود قصائدي في هذا الفضاء الموثق ليس مجرد أرشفة رقمية، بل هو امتداد لمسيرة بدأت منذ صدور ديواني الأول "وحي الفجر" عام 2005، وصولاً إلى "ديوان المُناجاة" عام 2024. تضم الصفحة حالياً مجموعة مختارة من القصائد التي تمثل محطات مختلفة من رحلتي مع الكلمة، بما في ذلك "جراب الأمنيات"، "حكاية ما قبل الرحيل"، و"أنخاب الأصائل".

تهدف هذه الخطوة إلى تسهيل الوصول للنصوص الشعرية في بيئة أدبية متخصصة، تتيح للقارئ التفاعل مع البحور والقوافي والمضامين الفكرية للقصائد بشكل أعمق.

أدعو زوار موقعي الكرام للاطلاع على هذا الأرشيف المتجدد عبر الرابط التالي: [صفحة الشاعر محمد ولد إمام في موسوعة الديوان]

وسيبقى موقعنا هذا هو المركز الذي يجمع بين المقالة الصحفية، والترجمة، والومضة الشعرية، والبودكاست، في رؤية واحدة تسعى لصناعة "أثرٍ" من الكلمة.