الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

السُّبَاء.. حين لا يجد الخرابُ ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

 




السُّبَاء... حين لا يجد الخراب ما يفعله بالشاعر، فيحوله الشاعر إلى قصيدة

هناك كتب تخرج من المطابع، وكتب تخرج من أصحابها.

ديوان المختار السالم الجديد «السُّبَاء» من النوع الثاني.

ليس لأنه ديوان جديد في مسيرة شاعر أصدر حتى الآن خمسة وعشرين كتابا، فالكثرة لا تصنع شاعرا، كما أن قلة الكتب لا تنفيه. وإنما لأن المختار السالم اختار هذه المرة أن يضع قصيدته كلها في مجرى واحد: قصيدة واحدة من شعر التفعيلة، تمتد على 254 صفحة.

وهذا، في حد ذاته، رهان.

فالقصيدة القصيرة تستطيع أن تختبئ وراء اللمعة. أما القصيدة الطويلة فلا ينجو فيها الشاعر إلا إذا كان لديه ما يقوله، ولديه أيضا ما يكفي من اللغة كي لا يتحول القول إلى ثرثرة موزونة.

وعنوان الديوان «السُّبَاء» ليس بريئا.

السُّباء، في العربية، هو ما يحمله السيل من مكان إلى مكان.

كأن الشاعر ينظر إلى عالمنا العربي فيرى شيئا يشبه ذلك: أشياء كانت لها أسماء وأمكنة وذاكرة، ثم جاء السيل، فحملها زبدا رابيا.

لكن المختار السالم لا يقف على الضفة ليعد ما جرفه الماء.

إنه يدخل السيل.

وهنا يبدأ الشعر.

فالقصيدة عنده ليست منشورا سياسيا مقنعا، ولا مرثية طويلة لزمن عربي مثخن بالجراح. إنها محاولة لأن تجعل اللغة نفسها تقاوم ما يحدث للإنسان.

ولهذا لفتتني عبارة الدكتور بدي أبنو المرابطي في مقدمته، حين يرى أن القصيدة لا تأتي لتضمد الجراح، وإنما «لتصوغ لها أفقا ملحميا».

هذه نقطة مهمة.

الشعر ليس طبيبا دائما.

أحيانا يكون شاهدا.

وأحيانا يكون متهما.

وأحيانا، في لحظاته النادرة، يصبح سلاحا لا يقتل أحدا، لكنه يمنع اللغة من الاستسلام.

والمختار السالم يعرف أن اللغة حين تكرر نفسها تموت قليلا. لذلك يذهب بها إلى حافتها، يناور المألوف، يخلخل القاموس، ويترك الموسيقى تحمل المعنى إلى منطقة لا يصل إليها الكلام العادي.

ومن أجمل ما في الديوان، في ظني، أنه لا يتوسل إلى القارئ.

لا يقول له: تعاطف معي.

بل يقول له: ادخل هذا الخراب، وانظر.

«من بعد كل الكلام، وكل الظلام، وما أكل الوحش والفحش، أضحى لزاما على النجم أن يولدا».

هذا هو الشعر الذي يعجبني.

الشعر الذي لا ينكر الظلام، لكنه يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.

والأجمل أن «السُّبَاء» نفسه، بوصفه ما يحمله السيل، ينقلب في نهاية المطاف إلى صورة أخرى: ربما لا يكون الإنسان مجرد حطام تحمله المياه. ربما يستطيع، وهو في قلب التيار، أن يصنع من اندفاعه قصيدة.

خمسة وعشرون إصدارا ليست مجرد محطة في سيرة شاعر. إنها مسافة طويلة قطعها المختار السالم في أرض الشعر، وما يزال يغامر.

وهذا هو المهم.

فالشاعر الحقيقي لا يكرر نجاحه.

إنه يخاطر به.

مبارك للصديق المختار السالم «السُّبَاء»، ومبارك للشعر الموريتاني هذه المغامرة.

أما القصيدة نفسها، فلا أدري إلى أين ستأخذ قارئها.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

 هو أن بعض القصائد نقرأهاوبعض القصائد تحملنا.

وهذا الديوان يبدو من النوع الذي لا يتركك على الضفة.


محمد ولد إمام. 25.08.2026..

 الدوحة، قطر.


الاثنين، 24 أغسطس 2026

شهادة إدارة المشاريع من معهد الجزيرة للإعلام، project management

 



في إدارة المشاريع... حتى الكلمات تحتاج إلى مدير

أحيانا نتعلم شيئا جديدا لا لأننا نريد أن نغير مهنتنا، بل لأننا نريد أن نفهم مهنتنا القديمة على نحو أفضل.

خلال الأيام الماضية أنهيت في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في إدارة المشاريع، وحصلت في ختامها على شهادة إتمام الدورة.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، خارج السياق قليلا بالنسبة إلى عملي الذي يدور منذ سنوات حول اللغة والتحرير والترجمة والكتابة. فما علاقة إدارة المشاريع بالكلمة والجملة والنص؟

لكنني كلما فكرت في الأمر وجدت العلاقة أوثق مما تبدو.

فالعمل الذي نطلق عليه أحيانا «كتابة» أو «ترجمة» ليس في الحقيقة كتابة وترجمة فقط. وراء المادة الجيدة سلسلة طويلة من المهام والمواعيد والمراحل والقرارات والأشخاص. هناك فكرة تبدأ، وبحث ينبغي أن يكتمل، ومسودة أولى، ومراجعات، وملاحظات، وتعديلات، وتدقيق، واعتماد، ثم نشر. وفي المشاريع الأكبر تتسع الدائرة أكثر، حتى يصبح نجاح المنتج النهائي مرهونا بقدرتنا على إدارة الطريق المؤدي إليه، لا بجودة الخطوة الأخيرة وحدها.

وقد يكون هذا أحد الأشياء التي نكتشفها متأخرين في حياتنا المهنية: أن الموهبة لا تكفي دائما.

يمكن للكاتب أن يكون صاحب أسلوب جميل، لكنه يسلّم متأخرا. ويمكن للمترجم أن يكون دقيقا جدا، لكنه لا يحسن تقدير الوقت الذي يحتاجه العمل. ويمكن لفريق كامل أن يضم أشخاصا أكفاء، ثم يفشل المشروع لأن الأدوار لم تكن واضحة، أو لأن الأولويات اختلطت، أو لأن أحدا لم ينتبه إلى المخاطر إلا بعد وقوعها.

وهنا تدخل إدارة المشاريع، لا بوصفها مجموعة مصطلحات إدارية باردة، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:

ماذا نريد أن ننجز؟

كيف سننجزه؟

من سيفعل ماذا؟

متى يجب أن يحدث ذلك؟

ما الذي يمكن أن يعطلنا؟

وماذا سنفعل عندما يحدث؟

ربما لهذا السبب وجدت الدورة أقرب إلى حياتي المهنية مما توقعت.

فالكتاب مشروع.

والمقال مشروع.

والترجمة مشروع.

والبودكاست مشروع.

وحتى الفكرة التي تظل في الرأس سنوات من دون أن تتحول إلى نص يمكن النظر إليها بوصفها مشروعا لم تُحسن إدارته بعد.

وأظن أن المشكلة التي تواجه كثيرا من أصحاب المشاريع الإبداعية ليست نقص الأفكار، وإنما فائضها.

الفكرة الجديدة تأتي بسهولة، بينما يحتاج تحويلها إلى عمل مكتمل إلى شيء أكثر قسوة: تحديد الهدف، وتقليص المشتتات، وتقسيم العمل إلى مراحل، والالتزام بموعد، وقبول أن النسخة الأولى لن تكون مثالية، ثم الاستمرار حتى النهاية.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من إدارة المشاريع هو أن المشروع لا ينجح لأننا «نشعر» بأنه سينجح، وإنما لأننا نحوله من فكرة غامضة إلى سلسلة من الأعمال الواضحة.

وهذا درس يتجاوز الإدارة إلى الكتابة والحياة نفسها.

كثير من الأشياء التي نحلم بها لا تحتاج، في بدايتها، إلى مزيد من الإلهام. تحتاج إلى خطة.

ومزيد من الأشياء لا تتعثر لأننا لا نملك القدرة عليها، وإنما لأننا لم نعرف كيف نقسمها إلى خطوات صغيرة يمكن إنجازها.

من هذه الزاوية، لم تكن دورة إدارة المشاريع بالنسبة إليّ مجرد دورة إضافية أضعها في ملف مهني أو شهادة أخرى أضيفها إلى سيرتي الذاتية.

كانت تذكيرا بشيء أعرفه نظريا، وأحتاج إلى أن أتذكره عمليا:

أن الفكرة الجميلة لا تصبح إنجازا إلا عندما تجد طريقها من الرأس إلى الورق، ومن الورق إلى خطة، ومن الخطة إلى عمل، ومن العمل إلى نهاية.

ولعل هذا ينطبق على الكلمات أيضا.

فنحن نميل إلى الاحتفاء بالكلمة حين تصل إلى صورتها الأخيرة، وننسى الطريق الطويل الذي قطعته قبل أن تصل إلينا.

وهذا يعيدني، بطريقة ما، إلى الشيء الذي ما زلت أجد نفسي أكثر انشغالا به: اللغة.

فحتى الكلمات لديها مشاريعها الخاصة.

لكل كلمة بدايتها، ومراحل تطورها، ومنعطفاتها، ومخاطرها، وأحيانا نهايتها.

وبعض الكلمات تنجح في إدارة مشروعها التاريخي، فتعمر قرونا طويلة، وبعضها يفشل في منتصف الطريق، وبعضها يغيّر اسمه ومعناه بالكامل ثم يعود إلينا بعد مئات السنين وكأن شيئا لم يحدث.

ربما لهذا لا أرى أن تعلم مجال جديد يعني دائما الابتعاد عن مجالنا الأصلي.

أحيانا نحتاج إلى أن نخرج خطوة واحدة من تخصصنا حتى نراه بوضوح أكبر.

وهذا ما أرجو أن تكون هذه الدورة قد أضافته إليّ: ليس مهنة جديدة، وإنما طريقة أفضل في النظر إلى المهنة التي أمارسها منذ سنوات.

شهادة جديدة، إذن، نعم. لكن الأهم منها ربما سؤال جديد: ما المشاريع التي ينبغي أن أبدأ في إدارتها فعلا؟

وقد يكون أولها تلك الأفكار الكثيرة التي ظلت طويلا تنتظر دورها.
محمد ولد إمام

الاثنين، 10 أغسطس 2026

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقالي الجديد على الجزيرة]

 

اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل [مقال محمد ولد إمام الجديد على الجزيرة]


هل سبق لك أن تعلمت لغة جديدة واكتشفت بعد فترة أنك لم تكتسب كلمات جديدة فحسب، بل بدأت ترى العالم بطريقة مختلفة تماماً؟

كثيراً ما نتوهم أننا نستخدم اللغة كأداة مجردة نخرجها حين نريد التعبير ثم نعيدها إلى مكانها. لكن الحقيقة هي أننا قبل أن نتكلم باللغة، تكون هي قد تكلمت بنا وشكّلت حدود وعينا وإدراكنا للوجود.

في مقالي الأخير المنشور على الجزيرة نت، أتطرق إلى هذه العلاقة المركبة بين اللسان والعقل، ونناقش من خلال مقولة الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين: "حدود لغتي تعني حدود عالمي":

  • كيف تجعلنا اللغة نرى ما لا نراه في غياب المفردة؟

  • لماذا تملك بعض اللغات مفردات دقيقة لمشاعر أو حالات طبيعية لا نجد لها مقابلاً في لغات أخرى؟

  • وكيف تشكل الشبكة المفهومية للغتك طريقة تفكيرك ورؤيتك لذاتك وللعالم من حولك؟

📌 لقراءة المقال كاملاً على موقع الجزيرة نت عبر الرابط التالي: https://aja.ws/b5g54e

💡 أتطلع لمعرفة آرائكم وانطباعاتكم في التعليقات: هل شعرت يوماً أن لغة أخرى أتاحت لك رؤية جانب جديد من شخصيتك أو من العالم؟