الاثنين، 24 أغسطس 2026

شهادة إدارة المشاريع من معهد الجزيرة للإعلام، project management

 



في إدارة المشاريع... حتى الكلمات تحتاج إلى مدير

أحيانا نتعلم شيئا جديدا لا لأننا نريد أن نغير مهنتنا، بل لأننا نريد أن نفهم مهنتنا القديمة على نحو أفضل.

خلال الأيام الماضية أنهيت في معهد الجزيرة للإعلام دورة تدريبية في إدارة المشاريع، وحصلت في ختامها على شهادة إتمام الدورة.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، خارج السياق قليلا بالنسبة إلى عملي الذي يدور منذ سنوات حول اللغة والتحرير والترجمة والكتابة. فما علاقة إدارة المشاريع بالكلمة والجملة والنص؟

لكنني كلما فكرت في الأمر وجدت العلاقة أوثق مما تبدو.

فالعمل الذي نطلق عليه أحيانا «كتابة» أو «ترجمة» ليس في الحقيقة كتابة وترجمة فقط. وراء المادة الجيدة سلسلة طويلة من المهام والمواعيد والمراحل والقرارات والأشخاص. هناك فكرة تبدأ، وبحث ينبغي أن يكتمل، ومسودة أولى، ومراجعات، وملاحظات، وتعديلات، وتدقيق، واعتماد، ثم نشر. وفي المشاريع الأكبر تتسع الدائرة أكثر، حتى يصبح نجاح المنتج النهائي مرهونا بقدرتنا على إدارة الطريق المؤدي إليه، لا بجودة الخطوة الأخيرة وحدها.

وقد يكون هذا أحد الأشياء التي نكتشفها متأخرين في حياتنا المهنية: أن الموهبة لا تكفي دائما.

يمكن للكاتب أن يكون صاحب أسلوب جميل، لكنه يسلّم متأخرا. ويمكن للمترجم أن يكون دقيقا جدا، لكنه لا يحسن تقدير الوقت الذي يحتاجه العمل. ويمكن لفريق كامل أن يضم أشخاصا أكفاء، ثم يفشل المشروع لأن الأدوار لم تكن واضحة، أو لأن الأولويات اختلطت، أو لأن أحدا لم ينتبه إلى المخاطر إلا بعد وقوعها.

وهنا تدخل إدارة المشاريع، لا بوصفها مجموعة مصطلحات إدارية باردة، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:

ماذا نريد أن ننجز؟

كيف سننجزه؟

من سيفعل ماذا؟

متى يجب أن يحدث ذلك؟

ما الذي يمكن أن يعطلنا؟

وماذا سنفعل عندما يحدث؟

ربما لهذا السبب وجدت الدورة أقرب إلى حياتي المهنية مما توقعت.

فالكتاب مشروع.

والمقال مشروع.

والترجمة مشروع.

والبودكاست مشروع.

وحتى الفكرة التي تظل في الرأس سنوات من دون أن تتحول إلى نص يمكن النظر إليها بوصفها مشروعا لم تُحسن إدارته بعد.

وأظن أن المشكلة التي تواجه كثيرا من أصحاب المشاريع الإبداعية ليست نقص الأفكار، وإنما فائضها.

الفكرة الجديدة تأتي بسهولة، بينما يحتاج تحويلها إلى عمل مكتمل إلى شيء أكثر قسوة: تحديد الهدف، وتقليص المشتتات، وتقسيم العمل إلى مراحل، والالتزام بموعد، وقبول أن النسخة الأولى لن تكون مثالية، ثم الاستمرار حتى النهاية.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من إدارة المشاريع هو أن المشروع لا ينجح لأننا «نشعر» بأنه سينجح، وإنما لأننا نحوله من فكرة غامضة إلى سلسلة من الأعمال الواضحة.

وهذا درس يتجاوز الإدارة إلى الكتابة والحياة نفسها.

كثير من الأشياء التي نحلم بها لا تحتاج، في بدايتها، إلى مزيد من الإلهام. تحتاج إلى خطة.

ومزيد من الأشياء لا تتعثر لأننا لا نملك القدرة عليها، وإنما لأننا لم نعرف كيف نقسمها إلى خطوات صغيرة يمكن إنجازها.

من هذه الزاوية، لم تكن دورة إدارة المشاريع بالنسبة إليّ مجرد دورة إضافية أضعها في ملف مهني أو شهادة أخرى أضيفها إلى سيرتي الذاتية.

كانت تذكيرا بشيء أعرفه نظريا، وأحتاج إلى أن أتذكره عمليا:

أن الفكرة الجميلة لا تصبح إنجازا إلا عندما تجد طريقها من الرأس إلى الورق، ومن الورق إلى خطة، ومن الخطة إلى عمل، ومن العمل إلى نهاية.

ولعل هذا ينطبق على الكلمات أيضا.

فنحن نميل إلى الاحتفاء بالكلمة حين تصل إلى صورتها الأخيرة، وننسى الطريق الطويل الذي قطعته قبل أن تصل إلينا.

وهذا يعيدني، بطريقة ما، إلى الشيء الذي ما زلت أجد نفسي أكثر انشغالا به: اللغة.

فحتى الكلمات لديها مشاريعها الخاصة.

لكل كلمة بدايتها، ومراحل تطورها، ومنعطفاتها، ومخاطرها، وأحيانا نهايتها.

وبعض الكلمات تنجح في إدارة مشروعها التاريخي، فتعمر قرونا طويلة، وبعضها يفشل في منتصف الطريق، وبعضها يغيّر اسمه ومعناه بالكامل ثم يعود إلينا بعد مئات السنين وكأن شيئا لم يحدث.

ربما لهذا لا أرى أن تعلم مجال جديد يعني دائما الابتعاد عن مجالنا الأصلي.

أحيانا نحتاج إلى أن نخرج خطوة واحدة من تخصصنا حتى نراه بوضوح أكبر.

وهذا ما أرجو أن تكون هذه الدورة قد أضافته إليّ: ليس مهنة جديدة، وإنما طريقة أفضل في النظر إلى المهنة التي أمارسها منذ سنوات.

شهادة جديدة، إذن، نعم. لكن الأهم منها ربما سؤال جديد: ما المشاريع التي ينبغي أن أبدأ في إدارتها فعلا؟

وقد يكون أولها تلك الأفكار الكثيرة التي ظلت طويلا تنتظر دورها.
محمد ولد إمام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق