قرأت في
رواية تشاييم بوتوك (The Chosen) أو المختار، هذا الاقتباس
الرائع:
"إن
البشر لا يعيشون إلى الأبد يا روبين.. حياتنا أقصر من طرفة عين إذا ما قيست
بالأبدية. لذلك قد يتساءل المرء: ما قيمة الحياة الإنسانية إذن؟ ولماذا كل هذا
الألم في العالم؟ ما معنى كل هذه المعاناة، إن كانت أسرار وجودنا لا تتعدى مجرد
أمد خاطف؟
لقد
تعلمتُ منذ زمن بعيد أن "طرفة العين" في ذاتها لا تساوي شيئاً.. لكن "العين
التي تطرف"، تلك هي الجوهر. عمر الإنسان مجرد رقم خاطف،
لكن "الإنسان الذي يعيش هذا العمر" هو الكائن الذي يعني كل شيء.
بإمكانه
أن يملأ تلك اللحظة العابرة بالمعنى، لتصبح قيمتها لا تُقاس، حتى وإن كانت مدتها
لا تُذكر. على المرء أن يصنع لمعنى حياته وجوداً، فالمعنى ليس هبة مجانية تُمنح
لنا مع الميلاد.
إن ملء
الحياة بالمعنى جهادٌ شاق—وهو أمر لا أظنك أدركته تماماً بعد. الحياة المليئة
بالمعنى هي الوحيدة التي تستحق الراحة بعد الرحيل.. وأنا أريد أن أكون جديراً بتلك
الراحة حين لا أعود هنا."
—
قلتُ إن
الإنسان، وهو يقيس عمره بعمر الجبال أو النجوم، ربما يخيل إليه أنه لم يُمنح سوى لمحة
من الوقت. ومن هنا ينشأ السؤال الذي لم يفارق الفلاسفة والشعراء منذ آلاف السنين:
إذا كانت الحياة بهذه القِصَر، فلماذا نحمّلها كل هذه الأحلام، وكل هذا السعي، وكل
هذا الألم؟
لكن
السؤال قد يكون مضللاً منذ البداية، لأنه يفترض أن قيمة الشيء تُقاس بامتداده في
الزمن. ونحن نعرف أن هذا ليس صحيحاً. فالبرق لا يلبث في السماء إلا لحظة، ومع ذلك
يشق الليل كله. وكلمة واحدة قد تغيّر مصير إنسان، بينما تعجز سنوات من الصمت عن أن
تفعل شيئاً. ليست المدة هي التي تمنح الأشياء قيمتها، وإنما ما يحدث خلالها.
لهذا لا
أظن أن المأساة الكبرى هي أن أعمارنا قصيرة، بل أن كثيراً منها يضيع في حياة
مؤجلة. نؤجل الكتب التي أردنا قراءتها، والكلمات التي كان ينبغي أن نقولها،
والأحلام التي ظننا أن لها موعداً آخر. نعيش كأن الزمن يدين لنا بالمزيد، مع أنه
لا يعد أحداً بشيء.
ولعل
المعنى نفسه لا ينتظرنا في نهاية الطريق حتى نعثر عليه، بل يتشكل تحت أقدامنا ونحن
نسير. ليس شيئاً نكتشفه دفعة واحدة، وإنما شيء نصنعه بقراراتنا الصغيرة، بطريقة
نظرنا إلى العالم، وبما نمنحه من وقت واهتمام وحب. وقد يعيش إنسان ثمانين عاماً
دون أن يبني معنى واحداً، بينما يترك آخر، في عمر أقصر، أثراً يبقى بعد غيابه
بسنين طويلة.
لهذا لا
يبدو السؤال الأهم: كم بقي لنا من العمر؟ بل: ماذا سنضع في هذا العمر قبل أن
ينقضي؟ فما يبقى من الإنسان ليس عدد السنوات التي عبرها، وإنما مقدار الحياة التي
استطاع أن يسكبها في تلك السنوات.
ربما
لهذا تبدو الراحة التي يتحدث عنها بوتوك في نهاية الاقتباس استحقاقاً أخلاقياً
أكثر منها نهاية بيولوجية. فالراحة الحقيقية ليست أن تتوقف الحياة، بل أن تستطيع،
عندما تلتفت إلى الوراء، أن تقول: لم يكن وجودي مجرد عبور، بل كان إضافة، ولو كانت
صغيرة، إلى هذا العالم.
فالخلود
الذي يحلم به البشر ليس امتدادا للزمن، لكنه امتداد للمعنى.
محمد ولد إمام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق