الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

عشر سنوات في الجزيرة: ماذا تفعل الكلمة بصاحبها؟

محمد ولد إمام.. الجزيرة Mohamed Ould Imame Al Jazeera


في مثل هذا اليوم من سبتمبر 2016، بدأت فصلا جديدا من حياتي المهنية، حين دخلت أروقة شبكة الجزيرة وكنت من الجيل المؤسس للجزيرة بلس عربي.

اليوم، بعد عشر سنوات كاملة، أجدني أتوقف قليلا أمام الرقم.

عشر سنوات تبدو، حين نقولها هكذا، مدة طويلة. لكنها حين تعاش يوما بيوم، بين خبر عاجل ونص يحتاج إلى مراجعة، وترجمة تحتاج إلى أن تبحث عن المعنى قبل اللفظ، ومادة تمر أمام عين المحرر لتخرج إلى الجمهور في أفضل صورة ممكنة، تبدو كأنها مرت على عجل.

كانت السنوات العشر الماضية رحلة في مهنة الكلمة، بكل ما تحمله الكلمة من مسؤولية.

في الصحافة، لا يكفي أن تعرف اللغة. عليك أن تعرف متى تكون الكلمة دقيقة، ومتى تكون زائدة، ومتى يمكن أن تغير كلمة واحدة معنى الجملة كلها. وعليك أن تتعلم أن وراء كل خبر إنسانا، ووراء كل رقم قصة، ووراء كل صياغة مسؤولية.

وهذا ربما كان أهم ما تعلمته في الجزيرة: أن التحرير ليس تصحيحا للنص فحسب، وأن اللغة ليست زينة تضاف إلى الخبر. إنها جزء من صناعته.

خلال هذه السنوات، مررت بأحداث وأخبار وقصص كثيرة، وبعضها كان من تلك اللحظات التي يشعر فيها الصحفي أنه لا يلاحق التاريخ فحسب، بل يقف قريبا منه وهو يتشكل.

لكنني، في نهاية الأمر، أعود دائما إلى التفاصيل الصغيرة.

إلى جملة أُعيدت صياغتها حتى استقامت.

إلى كلمة حُذفت لأنها لم تكن ضرورية.

إلى مصطلح احتاج إلى بحث طويل قبل أن نطمئن إلى دقته.

إلى ترجمة كان علينا أن نجد فيها ما يقابل روح النص، لا قاموسه فقط.

وإلى زميل علمني شيئا من دون أن يقصد، أو مدير منحني فرصة، أو صديق جعل يوما ثقيلا أخف وطأة.

لهذا لا أرى السنوات العشر مجرد سنوات عمل.

لقد كانت سنوات تعلم.

تعلمت فيها من اللغة، ومن الأخبار، ومن الناس، ومن الأخطاء، ومن ضغط الوقت، ومن اختلاف وجهات النظر، ومن تلك القاعدة التي تبدو بسيطة لكنها ليست كذلك: أن تحاول كل مرة أن تجعل النص أفضل مما وجدته.

وأنا اليوم، بعد عقد كامل، أكثر اقتناعا بأن مهنة الإعلام، مهما تغيرت أدواتها، ستظل في جوهرها مهنة إنسانية تقوم على سؤال قديم: كيف نقول للناس ما يحدث، بصدق ودقة ومسؤولية؟

الجزيرة نفسها تغيرت خلال هذه السنوات، كما تغيرت صناعة الإعلام والعالم من حولها. لكن بعض الأشياء بقيت ثابتة: قيمة الدقة، واحترام الجمهور، والحاجة إلى التعلم المستمر، والإيمان بأن للكلمة أثرا يتجاوز اللحظة التي كتبت فيها.

أنا، قد تغيرت أيضا.

دخلت الجزيرة وأنا أحمل معي سنوات من العمل مع اللغة والترجمة والصحافة، لكنني أخرج من كل يوم فيها بشيء جديد. وربما هذه أجمل ميزة في مهنة لا تسمح لك بأن تدعي أنك وصلت.

عشر سنوات مضت.

لا أحتفل اليوم بالمدة وحدها، بل بما صنعته المدة في داخلي: خبرة أكثر، أسئلة أكثر، تواضع أكثر أمام اللغة، وامتنان أكبر لكل من مر في هذه الرحلة.

شكرا لكل زميل شاركني يوما من هذه السنوات، ولكل أستاذ أو مدير أو صديق تعلمت منه، ولكل من جعل هذه الرحلة أكثر إنسانية.

أما السنوات القادمة، فلا أعرف بالضبط ماذا تحمل.

لكنني أعرف شيئا واحدا:

ما زلت أحب الكلمة.

وما زلت أتعلم كيف أقولها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق