
صديق القديم، محمد ولد إمام
منذ عرفته ونحن شابان يافعان، كانت عليه مخايل النجابة، وكانت في عينيه تلك اللمعة التي توحي بأن صاحبها لن يرضى بالحياة كما تأتي، وأن وراء الأيام العادية شيئا آخر يبحث عنه.
كان مولعا بالكتب والمطالعات، مأخوذا باللغة والأدب، مشدودا إلى كل ما يمت بصلة إلى الإبداع والفن. وكان بيننا ولع خاص بالمتنبي، ذلك الرجل الذي لا يكاد المرء يصاحبه طويلا حتى يصبح شريكا له في شيء من كبريائه وقلقه وأسئلته.
كنا نقرأ ونتجادل، ونخوض في كتب الكبار كأنهم أنداد في مجلس واحد: من عبد القاهر الجرجاني إلى ابن جني والسيرافي، ومن مسائل اللغة وأسرارها إلى معارك الرعيل الأول من العقاد وطه حسين ومحمود شاكر، ثم من المازني إلى الحكيم إلى نجيب محفوظ. كنا نتنقل بين الشعر والنقد والبلاغة والفكر والرواية، ونشعر أن العالم أوسع بكثير من حدود الحياة التي نعيشها.
ثم تخرج في اللغة والأدب، وارتاد المدارس العالية، وسلك بعض طرق المعرفة، وكان يبدو أن الطريق أمامه مفتوح، وأن تلك البدايات لا بد أن تفضي إلى شيء.
لكن الحياة لها طرق أخرى.
تاه الرجل شيئا فشيئا في مجرياتها، انغمس في مجرياتها، واستسلم لما تستسلم له الغالبية من أثقال اليوميات ومطالبها. ومع مرور السنوات، تراجعت الكتب، وخفت الأسئلة، وانطفأت شيئا فشيئا تلك الرغبة القديمة في المعرفة والإبداع.
حتى عاد في نهاية المطاف شخصا عاديا بين مليارات الأشخاص الذين يمشون على هذه الأرض. رب أسرة، وأبا، وموظفا، وإنسانا يؤدي ما عليه من واجبات، ويقضي أيامه في الدائرة المعتادة: أكل وشرب وعمل ونوم... لا مزيد.
وليس في أن يكون الإنسان أبا أو رب أسرة أو موظفا شيء ينتقص من قيمة هذه الأدوار. فالحياة اليومية نفسها جديرة بالاحترام، وربما كانت في أداء واجباتها بطولة لا يلتفت إليها أحد.
لكن الموجع شيء آخر.
الموجع أن ترى بذرة كانت تحمل ملامح شجرة، ثم لا ترى الشجرة.
أن ترى عقلا كان يتغذى بالكتب والأسئلة، ثم يكتفي بعد ذلك بما تقدمه الأيام من أجوبة جاهزة.
أن ترى من كان يناقشك في المتنبي، ويجادلك في الجرجاني وابن جني، ويقلب صفحات العقاد وطه حسين وشاكر والمازني والحكيم ونجيب، ثم يصبح الكتاب بالنسبة إليه شيئا من ماضيه، والإبداع شيئا كان يمكن أن يفعله ذات يوم.
ربما كانت هذه إحدى أكثر مآسي الإنسان هدوءا: أن يموت فيه شيء من دون أن يموت جسده.
فالذبول لا يأتي دائما بعد الفقر، ولا بعد المرض، ولا بعد الكوارث. أحيانا يأتي بعد الامتلاء.
قد يذبل العقل بعد أن نضج، وتخفت الموهبة بعد أن أزهرت، ويهدأ الشغف بعد أن كان يشتعل، ويصبح الإنسان مجرد نسخة عملية من نفسه القديمة.
واحسرتاه على الحور وراء الكور !
ويا أسفاه على الجفاف بعد الخصب والعتمة بعد تلألؤ الفكر.
ولعل أكثر ما يؤلم في الأمر أن المرء لا يعرف، في اللحظة التي يختار فيها الراحة على الكتاب، واليومي على السؤال، واللذة العابرة على المشروع الطويل، أنه لا يتخلى عن عادة صغيرة فحسب، بل ربما يتخلى عن النسخة الأجمل التي كان يمكن أن يصبحها.
فالإنسان لا يخسر حياته فقط حين يموت.
أحيانا يخسر جزءا من حياته حين يتوقف عن أن يكون ذلك الشخص الذي كان يستطيع أن يصير إليه.
محمد ولد إمام
هل تعرفون صديقا أو شخصا من معارفكم صار هكذا؟